في تصعيد دموي جديد لأحداث الحرب السودانية، تمكنت القوات المسلحة السودانية، اليوم الاثنين، من صدّ هجوم واسع النطاق شنّته قوات الدعم السريع على مخيم أبو شوك للنازحين في ضواحي مدينة الفاشر، بإقليم دارفور غرب السودان. وأسفر الهجوم عن مقتل 40 مدنياً على الأقل وإصابة 19 آخرين، في وقت أكدت فيه مصادر عسكرية تحييد أكثر من 254 عنصراً من المهاجمين واستعادة عشرات المركبات العسكرية.
الهجوم، الذي وُصف بأنه من أعنف المحاولات لاجتياح الفاشر منذ بدء الحصار المفروض عليها في مايو/أيار 2024، جاء من ثلاثة محاور رئيسية – الشرق، الشمال الشرقي، والجنوب – مدعوماً بأكثر من 500 سيارة قتالية، بينها عربات مدرعة ومصفحات، فضلاً عن غطاء مدفعي كثيف. وبحسب العقيد أحمد حسين مصطفى، فإن قوات الدعم السريع دفعت بمرتزقة ومجموعات تابعة للهادي إدريس والطاهر حجر، ما يكشف عن تنسيق عسكري واسع النطاق واستعداد مسبق للهجوم.

تفاصيل الهجوم وانكساره
وفقاً لغرفة طوارئ مخيم أبو شوك، فقد توغلت قوات الدعم السريع من الجهة الشمالية للمخيم، وارتكبت عمليات تصفية مباشرة بحق مدنيين داخل صفوف النازحين، في مشهد أثار الرعب بين الأهالي وعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون العزّل. وتؤكد تنسيقية لجان مقاومة الفاشر أن من بين القتلى نساء وأطفال أعدموا ميدانياً.
لكن القوات السودانية، مدعومة بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية، تمكنت من قلب المعادلة ميدانياً، إذ استعادت 34 مركبة قتالية بكامل تجهيزاتها، وأحرقت 16 أخرى، وأجبرت المهاجمين على الانسحاب نحو مناطق مفتوحة بعد تكبيدهم خسائر بشرية ومادية فادحة.
المتحدث باسم المقاومة الشعبية، أبوبكر أحمد إمام، أوضح أن الهجوم جاء بعد أيام من تحشيد عسكري كثيف تخلله قصف للأحياء السكنية والبنية التحتية، لكنه قوبل برد حاسم أدى إلى إفشال المخطط، مؤكداً أن “عمليات مطاردة فلول المهاجمين ستستمر حتى تأمين محيط المدينة بالكامل”.
الإمارات.. الممول الخفي للصراع
ورغم أن المواجهة تبدو في ظاهرها صراعاً داخلياً، فإن أصابع الاتهام تتجه مجدداً نحو دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتهمها تقارير أممية وإعلامية بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، بما يشمل تزويدها بالسلاح والذخائر عبر وسطاء إقليميين. وقد سبق لخبراء أمميين أن حذروا من أن هذا الدعم أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الحل السياسي، لا سيما في إقليم دارفور الذي يشهد موجات نزوح جماعي وأزمات إنسانية متفاقمة.
وبالنظر إلى أن قوات الدعم السريع باتت تسيطر على مخيمات للنازحين مثل زمزم، وتحولها إلى قواعد عسكرية لشن الهجمات، يرى مراقبون أن استمرار تدفق الدعم الخارجي – خاصة من الإمارات – يمنح هذه القوات قدرة على المناورة والهجوم رغم الخسائر المتكررة. ويؤكد محللون أن الحرب في السودان تحولت إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي، تستخدم فيها أطراف خارجية القوى المحلية كأدوات لتحقيق أجنداتها.
صمود الفاشر.. ما وراء البقاء
الحصار المفروض على الفاشر منذ أكثر من عامين لم يغيّر فقط ملامح المدينة العمرانية، بل صاغ هوية جديدة لسكانها، حيث تحوّل البقاء ذاته إلى شكل من أشكال المقاومة. الباحث الاجتماعي أسعد إبراهيم وصف المشهد قائلاً: “الأم التي تطعم طفلها من علف الحيوانات، والشاب الذي يوزع الماء على التكايا، والجندي الذي يقاتل وهو يعلم أن أسرته بلا غذاء، هؤلاء يرون أنفسهم جزءاً من معركة أكبر من الرصاص”.
رغم القصف المتواصل، خرج سكان بعض أحياء الفاشر للاحتفاء بالمقاتلين، وارتفعت الهتافات في الأزقة المحاصرة، فيما تداول سودانيون في مدن أخرى صوراً ومقاطع توثق لحظات الصمود، مؤكدين أن الفاشر تقاتل نيابة عن الوطن كله.
كارثة إنسانية متفاقمة
الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 أوقعت عشرات الآلاف من القتلى، وأدت إلى نزوح أكثر من 13 مليون شخص، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم. وفي الفاشر تحديداً، يحذّر ناشطون من أن نقص الغذاء والمياه والدواء يهدد حياة عشرات الآلاف، وأن فك الحصار ضرورة إنسانية عاجلة قبل أن تتحول المدينة إلى مقبرة جماعية.
الناشط الإغاثي عبد المنعم عبد الله اختصر الوضع قائلاً: “الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة، بل رمز للكرامة في زمن الانكسار، وراية مرفوعة في وجه الحصار والجوع والقصف”. وأضاف: “حين يتابع الناس أخبارها، فهم يتابعون نبض وطنهم ومرآة لوجعهم وأملهم”.
خلاصة المشهد
مع أن القوات السودانية حققت نصراً ميدانياً في صدّ هجوم الدعم السريع، فإن استمرار الدعم الخارجي، خاصة من الإمارات، يهدد بإعادة إشعال المعارك في أي لحظة، ويطيل أمد المأساة الإنسانية. الفاشر اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل اختبار لإرادة السودانيين وقدرتهم على الصمود، وفي الوقت نفسه فضيحة أخلاقية للمجتمع الدولي الذي يكتفي بالمشاهدة بينما تتغذى نيران الحرب على دعم قوى إقليمية.
اقرأ ايضًا : حفتر المدعوم إماراتيًا يعيّن نجله صدام نائبًا له شرق ليبيا.. “تكليفات مثيرة للجدل خلال أيام”