في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الليبية والدولية، أعلن قائد القوات المسلحة شرقي ليبيا، خليفة حفتر، اليوم الاثنين، تعيين نجله صدام نائبًا له، في ما وصفه مراقبون بأنه تكريس لنظام توريث عسكري جديد، يعزز قبضة العائلة على السلطة شرق البلاد، ويمهّد لمزيد من التدخلات الإماراتية في المشهد الليبي.
وجاء الإعلان عبر بيان رسمي نُشر على المنصات الإلكترونية التابعة لقوات حفتر، تضمن نصّ القرار الذي جاء فيه: “القائد العام المشير أركان حرب خليفة أبو القاسم حفتر (82 عامًا)، يُكلف الفريق أول صدام خليفة حفتر (34 عامًا) نائبًا للقائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية”.
وأضاف البيان أن هذه الخطوة تأتي بمناسبة الذكرى الـ85 لتأسيس الجيش الليبي، و”تماشيًا مع رؤية القائد العام 2030″ لتطوير وتعزيز أداء القوات المسلحة، مشيرًا إلى أن الأيام القليلة القادمة ستشهد “تكليفات مهمة” دون كشف طبيعتها.

تثبيت حكم العائلة
هذا القرار يكرّس موقع صدام حفتر، الذي كان يشغل منصب رئيس أركان القوات البرية في قوات الشرق الليبي، ويعزز من نفوذ العائلة في مفاصل المؤسسة العسكرية. ويعتبر صدام، الذي ذاع صيته بعد اتهامه بالضلوع في قضايا فساد ونهب أموال عامة، أبرز أبناء حفتر من حيث الحضور العسكري والسياسي، حيث أوكلت له خلال السنوات الماضية ملفات حساسة، من بينها إدارة العمليات الأمنية في بنغازي والسيطرة على موانئ النفط.
ويرى مراقبون أن التعيين ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى ضمان انتقال القيادة داخل العائلة في حال غياب خليفة حفتر، خاصة في ظل تقدمه في السن ومعاناته الصحية التي تثار حولها التكهنات.
الدعم الإماراتي الحاسم
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الدعم السياسي والعسكري الذي يحظى به حفتر من دولة الإمارات، التي لعبت دورًا رئيسيًا في تمويل وتسليح قواته منذ بدء عملياته العسكرية ضد خصومه في غرب ليبيا.
وقد وثقت تقارير أممية ودولية نقل أسلحة إماراتية متطورة، من طائرات مسيرة وأنظمة دفاع، إلى قوات حفتر، في خرق واضح لقرارات حظر السلاح المفروضة على ليبيا منذ 2011.
ويؤكد محللون أن الإمارات ترى في حفتر، وامتداد حكمه العائلي عبر نجله صدام، ضمانة لبقاء نفوذها الاستراتيجي في شرق ليبيا، ولا سيما في المناطق الغنية بالنفط والهلال النفطي، وهو ما يمنحها أوراق ضغط إقليمية واقتصادية كبيرة.
انقسام المؤسسة العسكرية
يأتي هذا التعيين في وقت لا تزال فيه المؤسسة العسكرية الليبية منقسمة بين قوتين رئيسيتين:
-
الجيش في الشرق بقيادة خليفة حفتر، ويخضع لسلطة الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد ومقرها بنغازي.
-
الجيش في الغرب الذي يتبع رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس.
ومنذ سنوات، تشرف بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، المكونة من 5 ضباط يمثلون قوات الغرب و5 يمثلون قوات حفتر، بهدف توحيد المؤسسة العسكرية، لكن هذه الجهود لم تحقق أي اختراق جوهري بسبب تضارب المصالح الإقليمية وتشبث القيادات الحالية بمواقعها.
أبعاد سياسية وانتخابية
القرار يثير أيضًا تساؤلات حول مسار العملية السياسية المتعثرة، إذ يرى محللون أن حفتر، عبر تثبيت نجله في منصب عسكري رفيع، يرسل رسالة بأنه مستعد لفرض الأمر الواقع في أي ترتيبات مستقبلية، بما فيها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة.
ورغم أن البعثة الأممية تدفع نحو إجراء انتخابات شاملة تنهي الانقسام وتوحد المؤسسات، فإن خطوات كهذه تعزز منطق السيطرة بالقوة، وتضعف فرص التوافق بين أطراف الصراع. كما أنها قد تدفع بعض الأطراف في الغرب الليبي إلى إعادة ترتيب صفوفها عسكريًا، تحسبًا لأي تحرك مستقبلي من جانب قوات حفتر.
إرث دموي واتهامات بانتهاكات
يرتبط اسم خليفة حفتر، المدعوم من الإمارات ومصر، بسلسلة من الجرائم والانتهاكات التي شهدتها ليبيا منذ 2014، من قصف عشوائي للمدن، وعمليات إعدام ميدانية، وجرائم اختفاء قسري، كان أبرزها ما ارتكبه “لواء الكرامة” و”كتيبة طارق بن زياد” في بنغازي ودرنة وترهونة. وقد طالت هذه الاتهامات أيضًا صدام حفتر، الذي تتهمه منظمات حقوقية دولية بالضلوع في عمليات نهب وابتزاز ضد رجال أعمال ومسؤولين محليين في الشرق.
وفي ظل هذه الخلفية، فإن تعيينه نائبًا للقائد العام يثير مخاوف من تصعيد الانتهاكات، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الشرق، وإحباط أي مساعٍ للمصالحة الوطنية.
مستقبل غامض
يبقى السؤال الأهم: ما طبيعة “التكليفات المهمة” التي وعد بها بيان القوات التابعة لحفتر خلال الأيام القادمة؟ هل هي تحركات عسكرية نحو مناطق جديدة، أم إعادة ترتيب للقيادات تمهيدًا لخطة أوسع لفرض نفوذ العائلة على كامل ليبيا؟
ما هو واضح حتى الآن أن حفتر، عبر هذه الخطوة، يبعث برسالة تحدٍ لكل الجهود الدولية الساعية لتقليص النفوذ العسكري في السياسة الليبية، ويؤكد أن منطق القوة والسلاح لا يزال هو الحاكم الفعلي للمشهد، بدعم مباشر من قوى إقليمية على رأسها الإمارات.
وبينما يترقب الليبيون الخطوة القادمة، تبقى البلاد عالقة في دائرة الانقسامات والصراعات، رهينة لمعادلات إقليمية ودولية تجعل من مستقبلها السياسي والأمني رهنًا لأجندات خارجية ومصالح شخصية، أكثر منه استجابة لتطلعات الشعب في دولة موحدة وديمقراطية.
اقرأ أيضًا : إضراب “مانديلا تونس” عن الطعام يتصاعد احتجاجًا على قمع قيس سعيّد