في تصعيد جديد يعكس هشاشة الأوضاع الميدانية في السودان، أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، تصديه لهجوم واسع شنّته “ميليشيات الدعم السريع” على مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية لتفعيل “الآلية الرباعية” لإحياء مسار السلام، وسط اتهامات متصاعدة للإمارات بلعب دور محوري في تأجيج الحرب عبر دعمها غير المعلن لقوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل.

 

معركة الفاشر.. كسر الحصار وصد الهجوم

وأوضح الجيش في بيان رسمي، أن الفرقة السادسة مشاة، بالتعاون مع القوة المشتركة المكوّنة من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، تمكنت من صدّ هجوم عنيف شنّته مليشيا الدعم السريع من محورين، الشمالي والشمالي الشرقي، منذ ساعات الصباح الأولى، مستخدمة المشاة والمركبات القتالية والمصفحات.

وأكد البيان أن قوات الجيش “كبّدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد”، مشيرا إلى أن “عدد المركبات المهاجمة قُدّر بنحو 50 مركبة قتالية، تم تدمير 10 منها والاستيلاء على مركبتين بكامل عتادهما”، لافتاً إلى مقتل عشرات العناصر من الدعم السريع وفرار البقية نحو مناطق متفرقة في أطراف دارفور.
ويأتي الهجوم الجديد في وقت تحاصر فيه قوات الدعم السريع مدينة الفاشر منذ مايو/أيار الماضي، ما جعلها ساحةً لمعارك هي الأعنف منذ اندلاع الحرب، خصوصا أنها تمثل آخر معاقل الجيش النظامي في إقليم دارفور، ومركز العمليات الإنسانية الأممي للولايات الخمس.

وتُظهر مقاطع مصورة من داخل المدينة آثار القصف العنيف، وسط مناشدات من السكان المحليين والمنظمات الإغاثية بضرورة التدخل العاجل لفك الحصار الذي يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين بين نيران الطرفين.

تحول أمريكي في الموقف تجاه الجيش السوداني

وفي ظل استمرار النزاع، برز تغير لافت في خطاب الإدارة الأمريكية تجاه الجيش السوداني، إذ تستعد واشنطن لاستضافة اجتماعات “الآلية الرباعية الدولية” في 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بمشاركة الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف شامل لإطلاق النار.

وقبيل الاجتماعات، أدلى كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بتصريحات لوسائل الإعلام وصفها مراقبون بأنها تمثل “ليونة غير مسبوقة” تجاه الجيش السوداني، قائلاً إن “المؤاخذات السابقة على الجيش كانت مرتبطة بعلاقاته مع إيران وبعض الجماعات المتشددة”، في إشارة إلى أن واشنطن قد تسعى لإعادة صياغة علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية بعد أشهر من الفتور.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس إدراك واشنطن أن تجاهل الجيش السوداني لن يؤدي إلا إلى تعميق نفوذ قوى إقليمية مثل الإمارات، التي باتت تُتهم علنًا بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع عبر طرق تهريب معقدة، ما جعلها في نظر كثيرين “الراعي الخفي للحرب الأطول والأكثر دموية في القارة الأفريقية خلال العقد الأخير”.

القاهرة والرباعية.. دعم للبرهان ورسائل مبطنة لأبوظبي

وفي سياق متصل، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأربعاء، قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في قصر الاتحادية بالقاهرة، حيث بحثا آخر تطورات الأزمة السودانية والاستعدادات لاجتماعات واشنطن.

وبحسب بيان الرئاسة المصرية، أكد الجانبان “تطلعهما لأن تسفر اجتماعات الآلية الرباعية عن نتائج ملموسة تؤدي إلى وقف الحرب في السودان”، مجددين التأكيد على “رفض أي كيانات موازية للحكومة السودانية الشرعية”.
هذا الموقف المصري فُهم على نطاق واسع بأنه رسالة غير مباشرة إلى أبوظبي التي تتهمها الخرطوم بدعم قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في مسعاه لتشكيل سلطة أمر واقع موازية.

وفي مؤشر إضافي على الحراك الدولي المتسارع، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي إعادة تفعيل تمثيلها الدبلوماسي لجمهورية السودان من العاصمة المصرية، عبر تعيين السفير وولفرام فيتر لمباشرة مهامه من القاهرة خلال المرحلة الراهنة، في محاولة للحفاظ على التواصل مع أطراف الأزمة في ظل غياب الأمن داخل السودان.

أزمة إنسانية غير مسبوقة.. والفاشر على حافة الانهيار

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف نيسان/أبريل 2023، يعيش السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث. فقد قُتل أكثر من 20 ألف شخص وفق الأمم المتحدة، فيما تشير تقديرات أكاديمية إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز 130 ألف قتيل، إلى جانب نزوح أكثر من 15 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

وتصف الأمم المتحدة الوضع في دارفور بأنه “كارثة إنسانية غير مسبوقة”، محذّرة من أن الحصار المفروض على الفاشر قد يؤدي إلى مجاعة جماعية وانهيار شامل للمنظومة الصحية والإغاثية.
كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن 90% من سكان المدينة يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي لم تعد تصل منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

الإمارات في مرمى الاتهامات

ورغم الدعوات الدولية للتهدئة، يوجّه مراقبون أصابع الاتهام إلى الإمارات بالمسؤولية عن استمرار الحرب عبر دعمها العسكري والمالي لقوات حميدتي، إذ وثّقت تقارير استخباراتية وإعلامية وصول شحنات أسلحة وذخائر إلى مطار أم جرس في تشاد ومنه إلى دارفور، إضافة إلى دعم مالي سخي لتجنيد المرتزقة وشراء الأسلحة.

ويرى محللون أن أبوظبي، التي تواجه انتقادات متصاعدة في واشنطن وأوروبا، تستخدم دعمها لقوات الدعم السريع كورقة نفوذ في القرن الأفريقي والساحل الغربي، بغية تأمين مصالحها التجارية والمعدنية في السودان، لا سيما في مناطق الذهب بدارفور وشمال كردفان.

خاتمة: الفاشر عنوان حربٍ بلا أفق

مع تصاعد المعارك واستمرار الحصار، تبقى الفاشر رمزًا لمعاناة السودانيين في حربٍ عبثية تغذيها أطماع الخارج وتواطؤ الإقليم. وبينما يُعوَّل على اجتماعات “الرباعية الدولية” في واشنطن لإحياء الأمل في وقف النار، فإنّ غياب الإرادة السياسية، وتدخلات الإمارات المتزايدة، تجعل السلام أبعد ما يكون، وتُنذر بأن تتحول الفاشر إلى “غروزني جديدة” في قلب القارة الأفريقية، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف نزيف السودان قبل فوات الأوان.

اقرأ أيضًا : رئيس كولومبيا يقترح “جيشًا دوليًا لإعمار غزة”.. ويأمر بإرسال الذهب لعلاج أطفالها!