في خطوة غير مسبوقة من رئيس لاتيني، أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو عن مبادرة لتشكيل جيش دولي خاص بإعادة إعمار قطاع غزة وضمان الأمن والاستقرار فيه بعد حرب الإبادة التي استمرت قرابة عامين.
مقترح بيترو، الذي سيُرفع قريبًا إلى الأمم المتحدة في مشروع قرار رسمي، يأتي ضمن موقف كولومبيا الثابت في دعم وقف إطلاق النار الشامل، والدعوة إلى تحرك دولي منسق يمنع عودة الاحتلال الإسرائيلي لشن هجمات جديدة على القطاع المنكوب.
ذهب المخدرات من أجل أطفال غزة
ولم يكتفِ الرئيس الكولومبي بالمواقف الدبلوماسية، بل أصدر أمرًا مباشرًا إلى الوكالة الوطنية لإدارة الأصول (SAE) يقضي بإرسال ذهب تمت مصادرته من شبكات المخدرات، لاستخدام عوائده في تمويل علاج الأطفال الجرحى في غزة.
وأكدت الوكالة أنها بدأت دراسة الآليات القانونية والفنية لتنفيذ التوجيه، معتبرة الخطوة جزءًا من التزامات كولومبيا الإنسانية والدولية، ورسالة تضامن رمزية تعبّر عن تحويل ثروات الجريمة إلى أدوات للشفاء والبناء.
الإعمار وسط تعقيدات السياسة
تأتي مبادرة بيترو في وقتٍ تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تتجاوز 70 مليار دولار، منها نحو 20 مليار دولار ضرورية خلال السنوات الثلاث الأولى فقط.
وبحسب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن ودول عربية، فإن مشاريع الإعمار يفترض أن تبدأ بالتوازي مع صفقة تبادل الأسرى التي يجري التفاوض بشأنها، وسط خلافات حول من يتولى إدارة مرحلة ما بعد الحرب داخل القطاع.
بيترو.. صوت إنساني في وجه الحرب
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، برز الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو كأحد أكثر الأصوات اللاتينية جرأة في الدفاع عن الفلسطينيين.
فقد اتهم الحكومة الإسرائيلية مرارًا بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وذهب حدّ الدعوة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها، مؤكدًا أن ما يجري في غزة “وصمة عار على جبين الإنسانية”.
كما دعا المجتمع الدولي إلى “تحرك عاجل لوقف الحرب وإطلاق عملية شاملة لإعادة إعمار القطاع، تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة الدول التي تؤمن بالعدالة لا بالمصالح”.
رمزية المبادرة ودلالاتها
رغم أن كولومبيا ليست قوة اقتصادية كبرى ولا تمتلك نفوذًا مباشرًا في الشرق الأوسط، فإن مبادرة بيترو تمثل رسالة رمزية قوية عن إمكانية تحويل المواقف الأخلاقية إلى خطوات عملية.
ويرى مراقبون أن دعوته لتشكيل جيش دولي للإعمار تهدف إلى إيجاد صيغة ثالثة بين الاحتلال والانهيار الأمني، تمنح الفلسطينيين فرصة لبناء مستقبلهم تحت حماية دولية مؤقتة لا تخضع لإسرائيل أو لأي طرف إقليمي.
بهذا، يضع بيترو بلاده في موقعٍ متقدم بين الدول التي تربط العدالة بالعمل الإنساني، ليصبح أول زعيم في العالم يقترح تحويل الذهب المصادَر من الجريمة إلى دواء لأطفال غزة ولبنة لإعمارها — في مشهد يلخّص كيف يمكن للضمير الإنساني أن يتحدث بلغة السياسة.
اقرأ أيضا: رئيس كولومبيا يطرد دبلوماسيي الاحتلال.. حين يقف بيترو شامخًا مقابل خنوع الحكام العرب