في تطور مفصلي ضمن الصراع المستمر منذ قرابة عام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أعلن الجيش سيطرته على مواقع حيوية جديدة في قلب العاصمة الخرطوم، في تقدم يُعتبر الأكبر منذ بداية الحرب.

وشملت هذه المواقع مقر بنك السودان المركزي، ورئاسة جهاز المخابرات العامة، وبرج زين، وبرج كورنثيا، وقاعة الصداقة، ومستشفى الخرطوم التعليمي، وجامعة السودان. 

وباستعادة القصر الجمهوري والوزارات المحيطة، يُمكن القول إن الجيش بات يفرض سيطرته على معظم وسط الخرطوم، فيما تتبقى جيوب محدودة لقوات الدعم السريع في منطقة المقرن ومقر الكتيبة الإستراتيجية وجزيرة توتي.

الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبد الله، وصف العملية بأنها “سلسلة من النجاحات التي قضت على مئات من عناصر الدعم السريع”، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع حاولت الفرار عبر جيوب داخل المدينة، لكن تم التصدي لها. 

وأظهرت صور ميدانية جنود الجيش وهم داخل مقر بنك السودان، في مشهد اعتبره متابعون رمزياً لاستعادة الدولة لهيبتها ومؤسساتها بعد 23 شهراً من سيطرة الميليشيات على هذه المنطقة.

التحول الميداني وموقع المقرن الحاسم

المعركة الكبرى الآن تتجه نحو منطقة المقرن، التي يصفها القادة العسكريون بأنها آخر معقل رئيسي للدعم السريع في وسط الخرطوم. 

وقد أكد ضباط ميدانيون أن وحدات الجيش القادمة من أم درمان التقت صباح اليوم مع قوات القيادة العامة في شارع النيل عند برج كورنثيا، ما يعني اكتمال الطوق حول المقرن، تمهيداً لما قد يكون “المعركة الحاسمة” داخل العاصمة.

تأتي هذه التطورات بعد إحباط محاولة تفجير جسر المك نمر الاستراتيجي عبر ألغام زرعتها قوات الدعم السريع، بحسب رواية الجيش، الذي أكد أنه استعاد السيطرة الكاملة على الجسر ووسع انتشاره حوله. 

ويُعد هذا الجسر شرياناً مهماً يربط بين الخرطوم ومدينة بحري، ويمثل سيطرة الجيش عليه تحجيماً واضحاً لتحركات الميليشيات، ويحدّ من قدرتها على شنّ هجمات مباغتة عبر النيل.

بالمقابل، لم تتأخر قوات الدعم السريع في الرد الإعلامي، إذ أصدرت بياناً تؤكد فيه استمرار معارك القصر، مدّعية أنها نفذت هجوماً خاطفاً أدى إلى مقتل 90 من جنود الجيش وتدمير آليات عسكرية.

لكن مراقبين شككوا في هذه المزاعم نظراً لفقدان الميليشيا السيطرة على معظم المواقع الحيوية المحيطة بالقصر.

انتكاسة استراتيجية للدعم السريع وداعميها

تحمل هذه الانتصارات الأخيرة للجيش السوداني أبعاداً تتجاوز حدود الخرطوم. فوفق مصادر مطلعة، تُعد هذه السيطرة بمثابة نكسة استراتيجية لحلفاء الدعم السريع الإقليميين، وعلى رأسهم الإمارات، التي اتُهمت مراراً بتقديم الدعم المالي والعسكري للميليشيا بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). 

وقد سبق أن كشف تقرير للأمم المتحدة في أواخر عام 2023 أن الدعم السريع تلقى شحنات أسلحة من الخارج عبر موانئ ليبية، بعضها يعود إلى شبكات مرتبطة بالإمارات.

هذه الهزائم الميدانية للدعم السريع في قلب العاصمة، تُضعف أوراقه التفاوضية، وتبدد آمال داعميه الخارجيين في فرض أمر واقع يقضي بتقاسم السلطة بالقوة. ويرى مراقبون أن ما يحدث في الخرطوم حالياً قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يكون فيها الجيش السوداني في موقع تفاوض أقوى، خاصة إذا استكمل سيطرته على منطقة المقرن والكتيبة الإستراتيجية وجزيرة توتي.

لكن رغم هذا التقدم، تبقى الحرب السودانية أبعد ما تكون عن نهايتها. إذ لا تزال مناطق واسعة في دارفور وكردفان تحت قبضة الدعم السريع، ما يجعل من الحسم الكامل أمراً معقداً في ظل جغرافيا متداخلة، وواقع سياسي متصدع، ونزوح يتجاوز 15 مليون إنسان وفق تقارير أممية.

يبقى السؤال الآن: هل تمهّد هذه الانتصارات الطريق لمرحلة سياسية جديدة تنهي الكارثة السودانية، أم أنها مجرّد حلقة أخرى في سلسلة نزيف لا ينتهي؟ الأكيد أن الجيش، بدعمه الشعبي الواسع وتقدمه الميداني، بات أقرب من أي وقت مضى لاستعادة السيطرة على العاصمة، في وقت تتراجع فيه أوراق ميليشيا الدعم السريع وداعميها الخارجيين يوماً بعد يوم.

اقرأ أيضًا :  برلمان أوروبا يفضح دعم الإمارات للدم في السودان.. دعوات لعقوبات وتحقيق دولي واسع