في مشهد ميداني متسارع ومؤشر استراتيجي حاسم، أعلن الجيش السوداني عن سيطرته الكاملة على ميدان العمليات في العاصمة الخرطوم، وذلك عقب استعادته مواقع سيادية حيوية على رأسها القصر الجمهوري، ومقر جهاز المخابرات العامة، والبنك المركزي، ومنزل قائد ميليشيا الدعم السريع.
هذا التطور لم يأت بمعزل عن خلفيات إقليمية تلعب فيها دولة الإمارات دورًا محوريًا في تأجيج الصراع السوداني من خلال دعمها الموثق لميليشيا “الدعم السريع”، التي باتت اليوم على شفا الانهيار، ما يعني ضمنيًا خسارة مدوية للمشروع الإماراتي في السودان.

السيطرة على المقرن وتوتي
النجاحات العسكرية التي يحققها الجيش السوداني في قلب الخرطوم تتجاوز كونها مكاسب ميدانية، لتشكل إعادة هيكلة لميزان القوى على الأرض بعد أشهر من الحرب الدامية.
ففي تطور لافت، شارف الجيش على السيطرة على منطقة “المقرن” وسط العاصمة، وهي منطقة ذات أهمية جغرافية وإستراتيجية حيث تلتقي مياه النيل الأبيض بالأزرق، ما يمنحه سيطرة فعلية على قلب الدولة السودانية.
كما دخلت وحدات من الجيش حي “توتي”، الواقع في وسط المقرن، بعد أن كانت مناطق سيادية أساسية خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وبحسب تصريحات رسمية، فقد استعادت القوات المسلحة السيطرة على جميع الجسور الرئيسية على النيل، باستثناء جسر “جبل أولياء” الرابط بين الخرطوم وغرب النيل الأبيض، والذي يتوقع أن يكون مفتاح الحسم النهائي في المعركة.
أستاذ الدراسات الإستراتيجية أسامة عيدروس علّق على المشهد بأن “الجيش السوداني يتبع تكتيك العزل والتطويق ثم الاستلام”، مشيرًا إلى أن المرحلة القادمة ستركز على السيطرة الكاملة على الجسر المتبقي ومعسكر طيبة، ما سيضع عناصر الدعم السريع أمام خيارين فقط: الموت أو الاستسلام.
الإمارات: حليف ميليشياوي يخسر معركة الهيمنة في السودان
على الرغم من غياب التصريحات الرسمية، فإن التطورات الميدانية الأخيرة تعني ضربة قاصمة للمشروع الإماراتي في السودان، الذي ارتكز خلال السنوات الماضية على دعم ميليشيا “الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
فالإمارات، التي استثمرت بكثافة في صراعات المنطقة عبر دعم الفوضى وتفكيك الدول، كانت تراهن على فرض أجندة سياسية وأمنية في السودان من خلال هذه القوة غير النظامية.
ومع توالي الخسائر التي تتكبدها قوات الدعم السريع، يتراجع النفوذ الإماراتي الميداني بشكل حاد.
فالميليشيا التي مولتها الإمارات بالأسلحة والمال والدعم اللوجستي، تجد نفسها محاصرة في قلب الخرطوم، منهكة، متقهقرة، وعاجزة عن الحفاظ على مواقعها.
الأسوأ من ذلك، أن الانهيار الميداني انعكس في الداخل السوداني بارتفاع مشاعر الرفض للتدخلات الأجنبية، وعلى رأسها الإمارات، التي بات يُنظر إليها كعامل رئيسي في تفجير الحرب واستمرار نزيف الدماء.
ولا يمكن فصل الدعم الإماراتي عن المجازر التي ارتُكبت مؤخرًا، إذ أوردت تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر بولاية شمال دارفور أن المعارك في منطقة “المالحة” أسفرت عن مقتل نحو 45 مدنيًا، في ظل استمرار هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين في مناطق مثل الثورة بأم درمان والرهد بشمال كردفان، مما تسبب في موجات نزوح جديدة.
الحسم يقترب والمعادلة تتغير: ما بعد الخرطوم؟
الوضع الميداني يشير إلى اقتراب الجيش من استكمال سيطرته على العاصمة بشكل شبه كامل. فبعد تطهير شمال الخرطوم والتقدم نحو الجنوب، تُصبح السيطرة على جسر جبل أولياء مسألة وقت.
وإذا تحقق ذلك، فإن الجيش يكون قد استعاد الرموز السيادية والساحات الحضرية، ما يضع نهاية فعلية لأي مشروع تمرد داخل العاصمة.
لكنّ السؤال الأهم يظل: ماذا بعد الخرطوم؟ فالميليشيات المدعومة إماراتيًا ما تزال تسيطر على مناطق في دارفور وكردفان، وقد تتجه إلى حرب عصابات طويلة الأمد، مدفوعة بتمويل خارجي يهدف لاستنزاف الدولة السودانية.
وفي هذا السياق، سيكون على الجيش السوداني الانتقال من مرحلة الحسم العسكري إلى بناء سلطة وطنية جامعة، وإغلاق الباب أمام أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي، لا سيما من أبوظبي، التي تحوّلت من شريك اقتصادي مزعوم إلى مموّل مباشر لتمزيق السودان.
ختامًا، فإن معركة الخرطوم قد تكون بداية النهاية لمشروع “الخراب الإماراتي” في السودان، لكنها لن تكون نهاية الحرب إلا إذا تلازمت الإنجازات العسكرية مع حلول سياسية تكرّس سيادة الدولة، وتمنع تكرار سيناريوهات التدخل والتمويل والاقتتال بالوكالة. سقوط الدعم السريع هو سقوط للإمارات على أرض السودان، وعلى الخرطوم أن تستثمر هذه اللحظة لاستعادة استقلالها الوطني الكامل.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يكتسح وسط الخرطوم: انهيار ميليشيا الإمارات في قلب العاصمة