في تصعيد جديد يكشف اتّساع رقعة الحرب وفشل كل الدعوات الدولية لوقف النار، أعلن الجيش السوداني إحباط هجوم واسع شنّته قوات الدعم السريع على مدينة بابنوسة في غرب كردفان، في محاولة جديدة لاختراق دفاعات الجيش وانتزاع آخر معاقله الاستراتيجية في الإقليم.
الهجوم، الذي جاء بعد حشد كثيف وتحشيد إعلامي مكثّف، يعكس — بحسب مراقبين — رغبة ميليشيا الإمارات في فرض واقع ميداني جديد قبل أي مسار سياسي مرتقب، مستغلة حالة الانهاك التي أصابت جبهات عديدة بفعل القتال الطويل.

بابنوسة.. عقدة جغرافية وحلقة في معركة النفوذ
لا يمكن قراءة الهجوم الأخير بمعزل عن موقع بابنوسة، فهي ليست مجرد مدينة، بل عقدة مواصلات تربط غرب كردفان بجنوب دارفور وشمال كردفان. السيطرة عليها تعني فتح ممر لوجستي يُمكّن الدعم السريع من تعميق نفوذه في الإقليم، وتحويله إلى ساحة خلفية آمنة لعملياته العسكرية. كما أن وجود الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش يجعلها هدفًا عالي القيمة، ومحورًا تكتيكيًا يسعى الدعم السريع لانتزاعه بأي ثمن.
الهجوم جاء بعد أسابيع من محاولات متفرقة نفّذتها قوات الدعم السريع لاختبار دفاعات الجيش حول المدينة. لكن المحاولة الأخيرة اتسمت بالعنف والضغط الناري الكثيف، ما يشير إلى أن الميليشيا كانت تراهن على “اختراق واحد” يمكن أن يقلب موازين الإقليم ويمنحها فرصة الإعلان عن انتصار جديد في ظل سلسلة النكسات التي تعرضت لها في جبهات أخرى.
الجيش: صدّ الهجوم وتكبيد الميليشيا خسائر كبيرة
وفق بيان الجيش، فإن وحداته تمكنت من صد الهجوم بعد اشتباكات عنيفة استمرت لساعات، استخدمت فيها المدفعية والأسلحة الثقيلة. ووفقًا لمصادر ميدانية، فإن المهاجمين حاولوا التقدم عبر عدة محاور، بهدف تشتيت قوات الجيش وإرباك خطوط دفاعه، إلا أن القوات الحكومية نجحت في إغلاق الثغرات وإجبار العناصر المهاجمة على التراجع.
هذا النجاح لا يعكس فقط قدرة الجيش على الدفاع عن أحد أهم معاقله، بل يشير أيضًا إلى تطور في تكتيكات الوحدات النظامية التي استطاعت خلال الأشهر الماضية إعادة تنظيم صفوفها رغم الضغط الهائل الذي تتعرض له منذ بداية الحرب.
ميليشيا الإمارات.. مشروع توسّع لا يتوقف
الهجوم على بابنوسة ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من سلسلة تحركات تعكس طبيعة المشروع الذي تقوده ميليشيا الدعم السريع بدعم إماراتي مباشر. فالإمارات، التي لعبت دورًا محوريًا في تمويل وتسليح الميليشيا، تبحث — كما يرى مراقبون — عن تأمين نفوذ استراتيجي في عمق السودان، خاصة في المناطق الغنية بالموارد، سواء الذهب أو خطوط النقل البري بين غرب ووسط البلاد.
ولذلك، فإن السيطرة على بابنوسة كانت ستمنح الميليشيا بوابة نحو توسيع نفوذها جنوبًا وغربًا، وربما الإعداد لاحقًا لفرض خط تماس جديد يهدد ما تبقى من سلطة الدولة.
رسائل المعركة: من انتصر فعليًا؟
انتهت المعركة بانسحاب الدعم السريع، لكن الرسائل التي تحملها تتجاوز حدود بابنوسة:
1. الجيش استعاد زمام المبادرة
رغم الضربات التي تلقاها خلال العام الماضي، إلا أن نجاحه في صد هجوم واسع يعكس قدرته على الاحتفاظ بمواقع استراتيجية، وهو ما يمنحه دفعة معنوية مهمة في مرحلة تتراجع فيها الروح القتالية على الجبهات.
2. الميليشيا فقدت عنصر المفاجأة
أحد أهم تكتيكات الدعم السريع اعتمد دائمًا على الهجمات السريعة والمباغتة. لكن فشلها المتكرر في غرب كردفان مؤخرًا يشير إلى أن الجيش بات أكثر قدرة على توقع مسارات الهجوم، وربما صار يمتلك معلومات استخبارية عن تحركات الخصم.
3. المدنيون هم الخاسر الأكبر
بابنوسة، مثل مناطق عديدة، تحولت إلى ساحة صراع تتداخل فيها مصالح القوى المحلية والإقليمية. سكان المدينة يعيشون الآن تحت تهديد تجدد الاشتباكات، وسط نقص متزايد في الغذاء والدواء وغياب الخدمات الأساسية.
4. صراع النفوذ يزداد حدة
فشل الهجوم سيجعل ميليشيا الإمارات أكثر تعطشًا لتحقيق اختراق في مكان آخر. ومن المتوقع أن تبحث عن جبهة بديلة تحقق فيها نصرًا تكتيكيًا يعوض خسارة بابنوسة، سواء في شمال كردفان أو على تخوم جنوب دارفور.
سيناريوهات ما بعد الهجوم
▪ استمرار الضغط على غرب كردفان
من غير المرجح أن تتخلى قوات الدعم السريع عن محاولات اقتحام بابنوسة أو المدن المجاورة لها. فالإقليم يمثل شريانًا حيويًا لصراع النفوذ بين القوى المتحاربة.
▪ محاولة إعادة التموضع
الميليشيا قد تتجه إلى تغيير تكتيكاتها وتحويل الهجوم المفتوح إلى عمليات استنزاف متفرقة، بهدف إنهاك الجيش وجرّه إلى حرب طويلة تستنفد قدراته.
▪ تصعيد المواجهة خارج بابنوسة
قد تسعى الميليشيا لخلق جبهة جديدة بعيدًا عن الضغط العسكري الحالي، بهدف تخفيف التركيز عن الإقليم وتحقيق مكاسب ميدانية في مناطق أخرى.
خلاصة
معركة بابنوسة تكشف أن الحرب في السودان دخلت مرحلة جديدة تتسم بالمواجهة المفتوحة على مناطق استراتيجية، وأن ميليشيا الإمارات تسعى بكل ما تملك لتعديل الخريطة لصالحها. لكن صد الهجوم يؤكد في المقابل أن الجيش لا يزال قادرًا على حماية مواقعه وحرمان خصمه من تحقيق اختراقات يمكن أن تغيّر مسار الصراع.
اقرأ أيضًا : السيسي جعل مصر على حافة الإفلاس — تحليل لخطاب «تحالف المدينيين» وإعلان تدشين «نادٍ المقتربين»