في تصعيد جديد للحرب الإقليمية التي أشعلتها حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة أنصار الله الحوثية، يحيى سريع، تنفيذ ثلاث عمليات عسكرية نوعية بطائرات مسيّرة استهدفت قلب البنية التحتية للاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح سريع أن الأهداف شملت مطار اللد في يافا (بن غوريون)، إضافة إلى موقعين حيويين في بئر السبع وعسقلان، مؤكداً أن هذه الضربات تأتي في إطار الرد على جرائم الإبادة الجماعية والتجويع بحق الشعب الفلسطيني في غزة، ولإسناد صمود المقاومة الفلسطينية.

ضربات تتجاوز الجغرافيا
الهجمات الحوثية، التي انطلقت من مئات الكيلومترات بعيداً عن الأراضي المحتلة، تمثل رسالة عسكرية وسياسية مزدوجة.
فعلى الصعيد الميداني، تؤكد قدرة الجماعة على الوصول إلى عمق الكيان الإسرائيلي وضرب أهداف حساسة باستخدام طائرات مسيرة، في تحدٍّ واضح لقدرات الردع والدفاع الجوي التي يتباهى بها الاحتلال. وعلى الصعيد السياسي، تربط هذه العمليات بين جبهات الصراع في غزة واليمن، لتشكل محور مقاومة إقليمي يسعى لفرض كلفة استراتيجية على الاحتلال وحلفائه.
استهداف مطار بن غوريون تحديداً يحمل رمزية عالية، إذ يُعد البوابة الجوية الأولى للكيان والممر الأساسي لرحلاته التجارية والعسكرية. أي تهديد لعمل المطار يُربك حركة الطيران ويضر بالاقتصاد والسياحة ويخلق حالة ذعر لدى المستوطنين. أما بئر السبع وعسقلان فهما منطقتان ذواتا أهمية عسكرية وصناعية، ما يجعل ضربهما رسالة واضحة بأن البنية التحتية الحيوية للاحتلال ليست في مأمن.
هشاشة منظومة الأمن الإسرائيلية
رغم امتلاك الاحتلال منظومات دفاع جوي متطورة، أبرزها “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” و”حيتس”، فإن الضربات الحوثية تكشف ثغرات متزايدة في قدرته على التعامل مع تعدد الجبهات. منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجد الاحتلال نفسه أمام واقع استنزاف غير مسبوق، حيث تتوزع تهديداته على أربع جبهات: غزة، الضفة الغربية، لبنان، واليمن.
تكرار اختراق الأجواء الإسرائيلية بطائرات مسيرة من مسافات بعيدة يثير تساؤلات حول فعالية الاستخبارات الإسرائيلية وقدرتها على الرصد المبكر، خاصة أن هذه العمليات لم تعد فردية أو عشوائية، بل باتت جزءاً من استراتيجية هجمات متزامنة تستهدف إنهاك منظومة الدفاع وإرباك القيادة العسكرية.
الحوثيون وتوسيع معركة غزة
منذ إعلانهم الانخراط في معركة “نصرة غزة”، تبنى الحوثيون سياسة تصعيدية ضد إسرائيل، شملت استهداف سفن مرتبطة بها أو متجهة إلى موانئها، إضافة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو أراضيها. قرارهم في 27 يوليو الماضي توسيع نطاق الاستهداف البحري ليشمل أي شركة تتعامل مع موانئ الاحتلال، بغض النظر عن جنسيتها، يعكس انتقال الجماعة من ردود الفعل الرمزية إلى فرض حصار بحري فعلي، ولو جزئياً، على الموانئ الإسرائيلية.
تحذير سريع الأخير للشركات العالمية بوقف التعامل مع موانئ الاحتلال يأتي في إطار الحرب الاقتصادية غير المباشرة، حيث يسعى الحوثيون لتقويض ثقة الشركات في أمن الملاحة من وإلى إسرائيل. هذه الاستراتيجية تتكامل مع دعم محور المقاومة في لبنان وغزة، الذي يستهدف تعطيل الاقتصاد الإسرائيلي وإطالة أمد استنزافه.
ارتباك إسرائيلي وتحديات متفاقمة
إسرائيل، التي لطالما قدّمت نفسها كقوة عسكرية لا تُقهر في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام واقع مغاير: قدرات الردع تتآكل، والجبهات تتعدد، والشركاء الغربيون يزدادون قلقاً من طول أمد الحرب وكلفتها السياسية. تصريحات القيادات العسكرية الإسرائيلية مؤخراً عن ضرورة “إعادة النظر في أولويات الأمن القومي” تعكس إدراكاً داخلياً بأن ما كان يصلح في مواجهة فصائل محلية لم يعد كافياً أمام هجمات متزامنة من أكثر من محور.
الأخطر أن الضربات الحوثية تزامنت مع استمرار ضربات المقاومة الفلسطينية في غزة وصواريخ حزب الله من لبنان، ما يخلق معادلة استنزاف مزدوجة. هذا الضغط المتعدد الاتجاهات يرهق الدفاعات الجوية ويستهلك المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية، وهو ما ينعكس مباشرة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تعاني من تراجع الثقة بالقيادة وتزايد الهجرة الداخلية والخارجية للمستوطنين من المناطق الحدودية.
دلالات استراتيجية
- تآكل الردع: استمرار وصول الطائرات المسيرة إلى عمق الأراضي المحتلة رغم التحصينات الجوية يعكس فشل سياسات الردع الإسرائيلية في منع أو إحباط الهجمات.
- توسيع جغرافيا الصراع: اليمن بات جبهة فعلية في الحرب على غزة، ما يعقد حسابات الاحتلال ويضطره لتوزيع موارده على نطاق أوسع.
- الحرب الاقتصادية: استهداف الموانئ والمطارات يُحوّل الضغط العسكري إلى ضغط اقتصادي، قد يكون أكثر إيلاماً على المدى الطويل.
-
تحول المحور الإقليمي: التنسيق غير المعلن بين الحوثيين وبقية قوى محور المقاومة يوحي بوجود استراتيجية مشتركة لإبقاء الاحتلال في حالة استنزاف دائم.
خاتمة
الرسالة التي بعثتها الضربات الحوثية الأخيرة واضحة: الاحتلال ليس محصناً، وعمقه الاستراتيجي بات عرضة للتهديد من جبهات بعيدة. ومع استمرار الحرب على غزة وغياب أفق للحل، فإن إسرائيل تواجه وضعاً أمنياً هشاً لم تشهده منذ عقود، حيث لم يعد السؤال “هل ستتلقى ضربات جديدة؟” بل “من أين ستأتي الضربة القادمة؟ ومتى؟”.
اقرأ أيضًا : تدمير حماس أم تدمير السمعة الدولية لـ”إسرائيل”؟