في خطوة عسكرية جريئة، أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، الثلاثاء، تنفيذ هجمات متزامنة بست طائرات مسيّرة على أربعة أهداف وصفتها بـ”الحيوية” في مدن حيفا والنقب وإيلات وبئر السبع، في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، أوضح أن “سلاح الجو نفذ أربع عمليات عسكرية استهدفت أهدافًا استراتيجية للعدو الإسرائيلي، وحققت أهدافها بنجاح”، مشيراً إلى أن هذه العمليات تأتي “انتصاراً للشعب الفلسطيني ورداً على جرائم الإبادة والتجويع في غزة”.
وأكد سريع أن الهجمات ستستمر “حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن قطاع غزة”، ما يعني أن معادلة المواجهة لم تعد مقتصرة على الحدود الجغرافية لفلسطين، بل تجاوزتها إلى بعد إقليمي متشابك.
تراكم الضربات.. من اللد إلى عسقلان
الهجوم الأخير يأتي بعد أيام قليلة فقط من عمليات مشابهة أعلنتها الجماعة، الجمعة الماضية، حين استهدفت بثلاث طائرات مسيرة مطار اللد (بن غوريون) وموقعين حيويين في بئر السبع وعسقلان.
هذا التواتر الزمني السريع يعكس قدرة الحوثيين على الاستمرار في تنفيذ ضربات دقيقة وبعيدة المدى، ويشير إلى أن بنك الأهداف الذي تستهدفه الجماعة لم يعد مقتصراً على الموانئ أو المنشآت البحرية، بل بات يشمل المطارات والمراكز الاقتصادية والعسكرية الإسرائيلية.
كما يربط هذا النمط التصعيدي بين الهجمات الجوية والعمليات البحرية التي صعّد الحوثيون وتيرتها منذ 27 يوليو/تموز الماضي، حين أعلنوا استهداف “كافة السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع موانئ الاحتلال” بغض النظر عن جنسية الشركة، وهو ما فتح جبهة ضغط مزدوجة على إسرائيل: من البر والجو والبحر معاً.
البعد الاستراتيجي: من غزة إلى البحر الأحمر
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبنت جماعة الحوثي نهج “الدعم العملي لغزة” عبر استهداف الكيان الإسرائيلي في عمقه الجغرافي، وكذلك تهديد خطوط الملاحة المرتبطة به.
هذا المسار الاستراتيجي يربك حسابات الاحتلال الذي كان يظن أن جبهته الجنوبية مع اليمن بعيدة عن التأثير المباشر، قبل أن تتحول إلى مصدر ضغط مستمر يجبره على توزيع قدراته الدفاعية بين الشمال (لبنان)، والجنوب (غزة)، والعمق الشرقي (إيران وحلفاؤها)، والجنوب البعيد (اليمن).
وتكشف هذه الهجمات عن اختراق في التصور الأمني الإسرائيلي الذي لطالما اعتبر أن منظوماته الدفاعية المتقدمة مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” قادرة على التصدي لأي تهديد، بينما تظهر الوقائع أن تلك المنظومات تواجه تحدياً متزايداً أمام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وعالية المناورة.
هشاشة الاحتلال في مواجهة الطائرات المسيرة
تكرار اختراق الطائرات الحوثية للأجواء الإسرائيلية، وضرب أهداف في حيفا وبئر السبع وإيلات، يفضح ما يسميه بعض المحللين “الوهم الأمني” الذي تسوقه تل أبيب للعالم.
ففي ظل حرب غزة التي استنزفت جزءاً كبيراً من القدرات الدفاعية، باتت الجبهات الأخرى مكشوفة جزئياً أمام تهديدات جديدة، ما يضطر الاحتلال إلى إعادة توزيع موارده الدفاعية على نحو يضعف تركيزه على أي جبهة بعينها.
كما أن هذه الهجمات تعكس فشل الاستخبارات الإسرائيلية في التنبؤ بمسار العمليات، خصوصاً وأنها تأتي في وقت تُكثف فيه تل أبيب من عملياتها العسكرية في القطاع وتواجه ضغطاً دولياً متزايداً بسبب حصارها وتجويعها للفلسطينيين.
الأبعاد السياسية والإعلامية للهجمات
سياسياً، تمنح هذه الضربات الحوثيين موقعاً متقدماً في محور “دعم غزة” على المستوى الإقليمي، وتجعلهم جزءاً من المعادلة الردعية التي تسعى الفصائل الفلسطينية وحلفاؤها لفرضها على الاحتلال.
أما إعلامياً، فإن وصول المسيرات اليمنية إلى مدن إسرائيلية كبرى يشكل إحراجاً للقيادة العسكرية الإسرائيلية، خاصة وأن هذه المدن تُعتبر من رموز القوة الاقتصادية والعسكرية للكيان.
ومن جانب آخر، فإن استمرار هذه العمليات يرفع الكلفة السياسية والأمنية على حكومة نتنياهو التي تواجه بالفعل احتجاجات داخلية وضغوطاً دولية بسبب الجرائم في غزة.
منظور المقاومة الشاملة
رسالة الحوثيين لا تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل تحمل بُعداً استراتيجياً أوسع يقوم على فكرة أن حصار وتجويع غزة لن يمر دون رد، وأن المعركة ضد الاحتلال لم تعد معركة الفلسطينيين وحدهم.
وهذا ما أكده يحيى سريع في بيانه، حين شدد على استمرار العمليات “حتى وقف العدوان ورفع الحصار”، ما يعني أن أي تسوية في غزة لن تكون معزولة عن موقف اليمن وحلفائه الإقليميين.
خاتمة: نحو مرحلة أمنية مختلفة
تكشف الهجمات الحوثية المتكررة أن الاحتلال الإسرائيلي يدخل مرحلة أمنية جديدة تتسم بتعدد الجبهات وتباعدها، ما يجعله في وضع دفاعي دائم ويقوض سردية “التفوق الأمني”.
كما أنها تضع حلفاءه الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، أمام معضلة حماية خطوط الملاحة والمصالح الاقتصادية في البحر الأحمر والشرق الأوسط، في وقت تتسع فيه دائرة المعارضة العالمية لسياساته في غزة.
وبينما يواصل الاحتلال حربه الإجرامية على القطاع، يبدو أن جبهاته الخارجية ستظل مفتوحة أمام مزيد من المفاجآت، في مؤشر على أن هشاشته الأمنية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
اقرأ أيضًا : القسام تكثف هجماتها.. ضربات دقيقة لمواقع قيادة الاحتلال في غزة ورفح