في تصعيد ميداني لافت، أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، اليوم الاثنين، تنفيذ سلسلة هجمات صاروخية مركزة ضد مواقع استراتيجية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، مؤكدة أن هذه العمليات تأتي في إطار الرد المستمر على حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال منذ ما يقارب العامين، ضمن معركة “طوفان الأقصى”.

ضربات على مراكز القيادة والسيطرة
وفق بيان أصدرته الكتائب، فقد استهدف مقاتلوها موقع قيادة وسيطرة تابعاً للاحتلال على تلة الصوراني شرق حي التفاح في مدينة غزة، مستخدمين قذائف هاون من العيار الثقيل، ما أدى إلى إصابات مباشرة في الموقع المستهدف.
وأكدت الكتائب أن هذا الهجوم جاء بعد عملية رصد ومتابعة لتحركات العدو في المنطقة، مشيرة إلى أن استهداف مواقع القيادة يهدف إلى شلّ قدرة الاحتلال على إدارة عملياته الميدانية.
وفي بيان آخر، أوضحت “القسام” أنها نفذت ضربة مماثلة على موقع قيادة وسيطرة آخر في محور صلاح الدين، قرب تلة زعرب جنوبي مدينة رفح، مستخدمة منظومة صواريخ قصيرة المدى من عيار 114 ملم. وأكد البيان أن الضربات كانت دقيقة، وأن المواقع المستهدفة كانت تمثل مراكز أعصاب للعمليات الميدانية لجيش الاحتلال في تلك المحاور.
الاحتلال يلتزم الصمت
حتى لحظة نشر هذا التقرير، لم يصدر أي تعليق رسمي من جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن هذه العمليات، فيما تشير تجارب سابقة إلى أن قيادة الاحتلال تتعمد في كثير من الأحيان التكتّم على الخسائر التي تتعرض لها مواقعه الحيوية، لتفادي التأثير على معنويات قواته والرأي العام الداخلي.
وفي المقابل، تواصل فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، الإعلان عن تفاصيل عملياتها في إطار ما تعتبره “حرب إرادة” مع العدو، حيث لا تقتصر المعركة على الميدان العسكري، بل تمتد إلى معركة الوعي والرأي العام.
تكتيكات المقاومة.. ضرب العمق الميداني
الهجمات الأخيرة تعكس تطوراً ملحوظاً في تكتيكات المقاومة الفلسطينية، التي باتت تركّز على استهداف مراكز القيادة والسيطرة، بدلاً من الاقتصار على الخطوط الأمامية. هذا النوع من الضربات يهدف إلى إرباك منظومة القيادة الإسرائيلية، وتعطيل قدرة العدو على التنسيق بين وحداته، وهو أسلوب معروف في حروب العصابات والمقاومة الشعبية المسلحة.
ويرى مراقبون أن تركيز القسام على مواقع القيادة في غزة ورفح تحديداً يحمل دلالة استراتيجية، إذ تمثل تلك المناطق عقداً ميدانية لإدارة العمليات الإسرائيلية، خاصة في ظل تكثيف الاحتلال هجماته في جنوب القطاع لمحاولة إحكام السيطرة على محور رفح، الذي يعد منفذاً استراتيجياً على الحدود المصرية.
معركة “طوفان الأقصى” تدخل عامها الثاني
منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تواصل المقاومة الفلسطينية تنفيذ عمليات نوعية، رغم شدة القصف والحصار الخانق المفروض على القطاع. وعلى مدار 22 شهراً، أظهرت القسام وفصائل المقاومة الأخرى قدرة لافتة على الصمود، وتطوير وسائلها القتالية، بما في ذلك إنتاج صواريخ محلية الصنع، وتوسيع نطاق استخدام القذائف الموجهة، وتنفيذ كمائن برية في بيئة حضرية معقدة.
ويؤكد محللون عسكريون أن استمرار المقاومة في تنفيذ هجمات صاروخية بعد هذه المدة الطويلة من الحرب، يعكس فشل استراتيجية “الاستنزاف الشامل” التي راهن عليها الاحتلال، ويثبت أن البنية التحتية العسكرية للمقاومة ما زالت قادرة على العمل بفاعلية، رغم الحصار والتدمير.
كارثة إنسانية مستمرة
على الجانب الإنساني، لا تزال آثار العدوان الإسرائيلي كارثية على سكان القطاع، إذ تشير إحصائيات فلسطينية رسمية إلى سقوط أكثر من 61 ألف شهيد، بينهم آلاف الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 153 ألف جريح، ونحو 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض. كما يعيش مئات الآلاف في حالة نزوح داخلي، وسط مجاعة متفشية أودت بحياة المئات، في ظل استمرار الاحتلال في منع دخول المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ.
وتتهم الفصائل الفلسطينية المجتمع الدولي بالتقاعس عن وقف المجازر، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يوفرون غطاءً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل، متجاهلين قرارات محكمة العدل الدولية التي طالبت بوقف العدوان ورفع الحصار.
المقاومة بين البراعة العسكرية والتحديات
برغم الظروف المأساوية، تثبت المقاومة الفلسطينية يوماً بعد يوم قدرتها على التكيف مع المتغيرات الميدانية، وتوظيف قدراتها المحدودة بأسلوب يحقق أقصى أثر ممكن على العدو. وتستفيد القسام من شبكات أنفاقها ومخزونها من الأسلحة المحلية والمهرّبة في توجيه ضربات موجعة، معتمدة على مزيج من العمل الميداني السريع والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة.
ويرى خبراء أن استمرار هذه الوتيرة من الهجمات قد يفرض على الاحتلال إعادة النظر في خططه العسكرية، خاصة إذا تزامنت الضربات مع عمليات ميدانية نوعية، كتفجير آليات أو أسر جنود. كما أن إصرار المقاومة على استهداف مواقع القيادة يرسل رسالة مفادها أن الحرب لن تُحسم بإخضاع المدنيين، وأن قدرة المقاومة على الوصول إلى “مراكز الأعصاب” العسكرية للعدو لا تزال قائمة.
خاتمة
الهجمات الأخيرة لكتائب القسام في غزة ورفح تمثل فصلاً جديداً في معركة الإرادة والصمود، حيث تسعى المقاومة لإثبات أن قوة الاحتلال مهما بلغت لن تكسر عزيمة شعب يرفض الاستسلام.
وبينما يحاول الاحتلال فرض واقع جديد بالقوة، تواصل المقاومة العمل على إرباكه عسكرياً ومعنوياً، في معركة يبدو أنها ستظل مفتوحة، طالما بقيت جذور الصراع قائمة.
اقرأ أيضًا : تحذير أمريكي لرعاياها في الإمارات من الاقتراب من أماكن الإسرائيليين.. لماذا؟