في تطور خطير يعكس اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل وحلف المقاومة في المنطقة، أعلن زعيم جماعة “أنصار الله” عبد الملك الحوثي -اليوم الأحد- أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة على العاصمة اليمنية صنعاء، والتي استهدفت ورشة عمل لحكومة “التغيير والبناء”، أسفرت عن مقتل رئيس الوزراء المعيَّن من الجماعة أحمد الرهوي وعدد من وزرائه ومسؤولين حكوميين آخرين. 

ورغم فداحة الضربة التي وصفت بأنها الأخطر منذ بدء الغارات الإسرائيلية على اليمن في يوليو/تموز 2024، شدد الحوثي على أن “المسار في نصرة الشعب الفلسطيني ثابت وتصاعدي”، متوعدًا الاحتلال الإسرائيلي بـ”رد قاسٍ” لن يقتصر على الساحة اليمنية.

اغتيال سياسي غير مسبوق

الضربة الإسرائيلية على صنعاء يوم الخميس الماضي اعتُبرت الأولى من نوعها التي تستهدف قيادات حكومية رفيعة في جماعة الحوثي منذ اندلاع الحرب المفتوحة بين الطرفين. فاستهداف رئيس الحكومة وعدد من الوزراء لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل خطوة تحمل رسائل سياسية واضحة بأن إسرائيل تسعى لتقويض منظومة الحكم الحوثية، ودفعها إلى الانشغال بملفاتها الداخلية بدلاً من الانخراط في دعم غزة ومواجهة الاحتلال.

بيان الجماعة أكد أن الاجتماع كان “اعتيادياً لتقييم الأداء الحكومي”، ما يعزز رواية أن القصف كان عملية اغتيال مدبرة تستهدف البنية القيادية لأنصار الله، في محاولة لإحداث فراغ سياسي في صنعاء. غير أن الحوثيين سارعوا إلى تحويل الهجوم إلى مادة تعبئة شعبية، معتبرين أن “دماء الشهداء ستزيد من صلابة الجبهة الداخلية”.

خطاب التحدي ومشروع المقاومة

في كلمته المتلفزة، وضع عبد الملك الحوثي الاغتيال في سياق “المعركة الكبرى مع إسرائيل”، مؤكداً أن استهداف الوزراء “لن يثنينا عن المضي في خط المواجهة”. وقال إن العدو الإسرائيلي “لا يتورع عن قتل الأطفال والنساء والمدنيين العزل”، مشيراً إلى أن “رصيده الإجرام والقتل في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران”.

اللافت أن الحوثي لم يكتفِ بإعلان الثبات، بل تحدث عن “تصعيد” في نصرة الشعب الفلسطيني، ما يعكس نية واضحة لتوسيع العمليات ضد إسرائيل. هذا الموقف يشير إلى أن أنصار الله يقرؤون التصعيد الإسرائيلي الأخير كجزء من محاولة لردعهم عن الاستمرار في دعم غزة، لكنهم يرون في ذلك فرصة لتعزيز شرعيتهم داخلياً وإقليمياً عبر موقع “المدافع عن المقدسات”.

الوعيد بالرد وتوسيع دائرة المواجهة

مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، صعّد الخطاب أكثر بإعلانه أن الجماعة “ستأخذ بالثأر” لضحايا الغارة، موجهاً تهديداً مباشراً للشركات الأجنبية في إسرائيل بمغادرة البلاد قبل فوات الأوان. هذه الرسالة تحمل دلالتين أساسيتين:

  1. اقتصادية: التلويح بضرب الشركات والبنى التحتية يهدف إلى زعزعة ثقة المستثمرين في إسرائيل، في وقت يعاني اقتصادها من تداعيات الحرب الطويلة.

  2. إقليمية: تذكير بأن المواجهة مع إسرائيل لم تعد محصورة في غزة ولبنان، بل باتت تشمل ساحات أخرى مثل اليمن، وهو ما يعزز فكرة “وحدة الساحات” التي ترفعها قوى المقاومة.

البعد الاستراتيجي للمواجهة

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التزم الحوثيون بخطاب “نصرة غزة”، عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستهداف السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن. ومع كل عملية، يؤكد الحوثيون أنهم لا ينطلقون من حسابات محلية بحتة، بل من “واجب ديني وقومي” يضعهم في قلب معركة الأمة ضد الاحتلال.

لكن اغتيال قيادات حكومية في صنعاء يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة:

  • إمكانية تصعيد الهجمات البحرية ضد السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى موانئها، ما يهدد الأمن البحري العالمي.

  • تكثيف الضربات الصاروخية على العمق الإسرائيلي، في محاولة لفرض معادلة ردع جديدة.

  • زيادة التنسيق مع محور المقاومة (حزب الله، الفصائل العراقية، وإيران) لتقديم رد جماعي يربك إسرائيل وحلفاءها.

دلالات سياسية وإقليمية

إصرار الحوثيين على الاستمرار في نصرة غزة رغم الضربات القاسية يعكس إدراكهم أن التراجع يعني خسارة مزدوجة: داخلياً عبر إظهار الضعف أمام جمهورهم، وخارجياً عبر تراجع موقعهم في محور المقاومة. في المقابل، تراهن إسرائيل -بدعم أميركي- على أن الضربات النوعية ستضعف قدرات الحوثيين وتدفعهم للانكفاء على الداخل.

غير أن المعطيات الميدانية حتى الآن تشير إلى عكس ذلك، فكل استهداف إسرائيلي يقابله الحوثيون بخطاب تعبوي وتصعيد عملياتي. هذا التوازن بين “الدماء والرد” يعيد إلى الأذهان معادلات حزب الله في جنوب لبنان، حيث تحوّل الاستهداف الإسرائيلي للقيادات إلى وقود يعزز من مشروعية المقاومة.

غزة في قلب المعركة

لا يمكن فهم تمسك الحوثي بنصرة غزة إلا من خلال إدراك مركزية القضية الفلسطينية في خطاب الجماعة. فالحرب الإسرائيلية على القطاع، التي أسفرت حتى الآن عن أكثر من 63 ألف شهيد و159 ألف جريح، باتت الميدان الذي تتقاطع عنده حسابات القوى الإقليمية. بالنسبة للحوثيين، غزة ليست مجرد قضية تضامن، بل بوابة لترسيخ موقعهم كقوة إقليمية تواجه إسرائيل مباشرة، في وقت يتعرض فيه ملايين الفلسطينيين للتجويع والتهجير القسري.

خلاصة

الرسالة التي أراد الحوثي إيصالها بعد اغتيال وزرائه واضحة: لا تراجع عن نصرة غزة. بل إن الاغتيال قد يكون دافعاً لمزيد من التصعيد ضد إسرائيل في جبهات متعددة. ومع تهديدات المشاط للشركات في إسرائيل، ودعوات الحوثي لمواجهة العدو “سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً”، يبدو أن الصراع مرشح لمزيد من الاتساع، ما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة قد تتجاوز حدود غزة لتشمل عمق البحر الأحمر والبحر المتوسط على حد سواء.

اقرأ أيضًا : حماس تؤكد استشهاد محمد السنوار وتنشر صورًا لقادتها الشهداء