في ضربة غير مسبوقة تستهدف العمق الإسرائيلي، أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن تنفيذ هجوم صاروخي نوعي استهدف مطار بن غوريون، أحد أبرز رموز السيادة الجوية الإسرائيلية، وذلك باستخدام صاروخ باليستي من طراز “ذو الفقار”.
العملية التي أربكت الجبهة الداخلية الإسرائيلية وأجبرت الملايين على الفرار إلى الملاجئ، جاءت في وقت تزداد فيه حدة العدوان على قطاع غزة، وسط تواطؤ رسمي عربي وتراجع واضح في دعم القضية الفلسطينية.
![]()
عملية نوعية تربك الاحتلال
أعلن المتحدث العسكري لجماعة أنصار الله، العميد يحيى سريع، في بيان مصور بثّه عبر منصة “إكس”، أن “القوات المسلحة اليمنية نفذت عملية عسكرية نوعية استهدفت مطار بن غوريون قرب تل أبيب”، مؤكداً أن العملية حققت أهدافها بإجبار ما يقارب 4 ملايين إسرائيلي على الاحتماء في الملاجئ، وتعليق مؤقت لحركة الطيران في المطار الحيوي.
وأشار سريع إلى أن هذا القصف الباليستي أتى كرد مباشر على جرائم الاحتلال في قطاع غزة، التي تشمل المجازر اليومية والتجويع الجماعي والتدنيس المتكرر للمسجد الأقصى، مضيفاً أن “الرد اليمني سيستمر ما دام العدوان مستمراً”.
يُذكر أن الصاروخ المستخدم في العملية هو من طراز “ذو الفقار”، وهو صاروخ إيراني الصنع متوسط المدى، سبق أن استخدمته الجماعة في ضربات ضد أهداف سعودية وإماراتية خلال السنوات الماضية. الجديد هذه المرة أن الصاروخ اجتاز مسافة تقارب ألفي كيلومتر ليضرب في قلب الدولة العبرية، مما يشير إلى تطور نوعي في قدرات الجماعة وتوسع نطاق دعمها للمقاومة الفلسطينية.
الهجوم يربك الداخل الإسرائيلي ويشل الحركة الجوية
في المقابل، اعترف جيش الاحتلال بوقوع الهجوم، معلناً عبر بيان رسمي اعتراض صاروخ أطلق من اليمن بواسطة منظومة الدفاع الجوي “حيتس 3″، المتخصصة في اعتراض الصواريخ الباليستية.
لكن الاعتراف بصفارات الإنذار التي دوت في وسط البلاد، بما في ذلك القدس وتل أبيب، وحالة الذعر التي دفعت بالمستوطنين إلى التهافت على الملاجئ، تشير إلى حجم الصدمة التي أحدثها الهجوم.
وأفادت وسائل إعلام عبرية، من بينها القناة 7 وصحيفة “معاريف”، بأنه تم تعليق الرحلات الجوية في مطار بن غوريون، حيث اضطرت الطائرات القادمة إلى الدوران في الجو بانتظار السماح لها بالهبوط.
هذا التعليق المؤقت للحركة الجوية يعكس حجم الارتباك الذي أصاب المنظومة الأمنية الإسرائيلية رغم الاعتراض الفني للصاروخ.
كما أكدت القناة 12 العبرية أن هذه هي المرة الـ49 التي يتم فيها إطلاق صواريخ من اليمن باتجاه الأراضي المحتلة منذ استئناف الحرب على غزة منتصف مارس/آذار الماضي، وهو مؤشر على اتساع نطاق المعركة وتحول اليمن إلى جبهة داعمة للمقاومة الفلسطينية، رغم بُعد الجغرافيا.
الدعم الحوثي للمقاومة مقابل التخاذل العربي
بينما تُكثف جماعة الحوثي ضرباتها ضد إسرائيل وتربك حساباتها، تلتزم معظم العواصم العربية الصمت المطبق، إن لم تكن منخرطة في محاولات لتصفية القضية الفلسطينية عبر صفقات التطبيع أو تضييق الخناق على غزة تحت ذرائع أمنية.
الهجوم اليمني الأخير لم يكن الأول، لكنه الأكثر تأثيراً في العمق الإسرائيلي، حيث استهدف منشأة حساسة في قلب الدولة.
ورغم ذلك، لم تصدر مواقف عربية رسمية تثمّن هذا الدعم أو تساند صراحة المقاومة الفلسطينية، باستثناء تصريحات محدودة من أطراف غير رسمية. هذا في وقت تتسابق فيه بعض الأنظمة على استضافة مسؤولين إسرائيليين وعقد لقاءات أمنية واقتصادية بعيدة عن الأضواء.
اللافت أيضاً أن الرد الإسرائيلي على الهجمات اليمنية لم يتأخر، إذ نفّذ الاحتلال خلال الأسابيع الماضية ضربات جوية ضد مواقع في صنعاء والحديدة، شملت موانئ ومطارات مدنية، في محاولة لردع الحوثيين. إلا أن هذه الضربات لم تُوقف الجماعة عن مواصلة عملياتها، بل يبدو أن وتيرتها تتصاعد تدريجياً.
وعلى النقيض، تعيش الشعوب العربية حالة من الغضب الشعبي العارم تجاه ما يحدث في غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء حاجز 37 ألفاً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، في مقابل موقف رسمي باهت، يعكس عمق الفجوة بين الشعوب والأنظمة، ويعيد التذكير بسيناريو “التطبيع مقابل الدم”.
خاتمة: حين يصمت الجميع، يقاتل اليمن
الهجوم الصاروخي الذي نفذته جماعة أنصار الله ليس مجرد عمل رمزي أو استعراضي، بل يعكس معادلة جديدة بدأت تتشكل في المنطقة: حين تصمت الأنظمة، تتقدم الشعوب ومكوناتها المقاومة لتملأ الفراغ.
اليمن، المنهك بالحرب والحصار منذ سنوات، ينجح اليوم في فرض معادلة توازن ردع جديدة، ولو نسبية، مع أحد أقوى جيوش المنطقة، ما يبعث برسالة واضحة: أن القضية الفلسطينية لم تَمُت، وأن العزيمة والموقف المقاوم قادران على قلب المعادلات رغم الظروف القاهرة.
في زمن الخيانة الرسمية والتطبيع، يصبح كل صاروخ من اليمن شهادة حياة لقضية كادت تُدفن تحت ركام المؤتمرات والصفقات والوعود الكاذبة.
اقرأ أيضًا : عباس يتواطأ والمستوطنون يعيثون فسادًا: إصابة فلسطينيين واعتداءات جديدة في الضفة