في الوقت الذي يواصل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب مجازر مروعة في قطاع غزة، تتصاعد الانتهاكات والاعتداءات في الضفة الغربية المحتلة بوتيرة مقلقة، وسط صمت مطبق وتخاذل مستمر من السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، التي لم تحرّك ساكنًا لوقف ما يُشبه “الاجتياح البطيء” للأرض والإنسان هناك.

اقتحامات واعتداءات.. والمستهدف هو المواطن الفلسطيني
شهدت مدن وبلدات الضفة الغربية، مساء الأحد، اقتحامات متزامنة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن إصابة فلسطينيين اثنين على الأقل، فيما تواصلت الاعتداءات اليومية للمستوطنين ضد الفلسطينيين وأراضيهم، ما يكشف عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
ففي مدينة أريحا، أوقفت قوات الاحتلال الشاب عز الدين خالد أبو ربيع على أحد الحواجز العسكرية، واعتدت عليه بالضرب المبرّح، ما أدى إلى إصابته بجروح وكدمات، نقل على إثرها إلى المستشفى الأهلي في الخليل، بحسب ما أفادت وكالة “وفا” الفلسطينية. ولا تندرج هذه الحادثة ضمن سلوك فردي أو استثنائي، بل تكرار ممنهج لأسلوب الإذلال والقمع الذي تمارسه قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين على الحواجز.
وفي بلدة برقة شمال شرق رام الله، أصيب شاب فلسطيني آخر برصاص الاحتلال خلال مواجهات أعقبت اقتحام الجيش للبلدة، وهي سياسة متكررة تستخدمها قوات الاحتلال لبث الرعب وكسر إرادة الصمود الشعبي. ولم تقتصر الاقتحامات على تلك المناطق، بل شملت أيضًا بلدات دير أبو مشعل، أودلا، زعترة، وعرابة، حيث داهم الجنود المنازل، وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع، وفرضوا أجواء من الرعب بين السكان.
مزارعو الأغوار.. بين بطش المستوطنين وتجاهل السلطة
وبالتزامن مع هذه الاعتداءات، صعّد المستوطنون من هجماتهم ضد المزارعين الفلسطينيين في الأغوار الشمالية، حيث هاجموا مزارعين في سهل قاعون شمال قرية بردلة، واعتدوا عليهم بالضرب، وطردوهم من أراضيهم، وقاموا بتخريب محاصيلهم الزراعية، في مشهد يعكس غياب أي رادع أو محاسبة.
وبحسب شهود عيان من المزارعين تحدثوا للجزيرة، فإن هذه الاعتداءات ليست الأولى، بل جزء من حملة تهجير صامتة هدفها السيطرة على الأرض وتحويل الأغوار إلى امتداد للاستيطان الإسرائيلي المدعوم رسميًا من حكومة نتنياهو.
ومع ذلك، لم تُصدر السلطة الفلسطينية أي موقف رسمي يدين هذه الاعتداءات أو يتعهد بحماية السكان والمزارعين، وكأن الأمر لا يعنيها.
السلطة الغائبة.. أم المتواطئة؟
وسط هذه المشاهد اليومية من القمع والاعتداءات، تبرز السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس كطرف غير ذي صلة، بل كشريك في استمرار المعاناة.
ففي الوقت الذي يُعتقل فيه آلاف الفلسطينيين، وتُسفك فيه دماء الأبرياء على يد جيش الاحتلال والمستوطنين، تواصل السلطة التنسيق الأمني مع الاحتلال، وتلاحق الناشطين داخل الضفة وتضيق على المعارضين.
لقد بات من الواضح أن الدور الذي تلعبه السلطة لا يتجاوز كونه غطاءً هزيلاً للاحتلال، يضمن له استمرار السيطرة و”الاستقرار الأمني” مقابل وعود سياسية جوفاء ومصالح ضيقة لطبقة متنفذة مرتبطة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية والأميركية.
وتُظهر بيانات ميدانية أن عدد الشهداء في الضفة منذ بدء العدوان على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول تجاوز 972 شهيدًا، إلى جانب أكثر من 7000 جريح، و17 ألف معتقل، في وقت تُواصل فيه السلطة خطاباتها الجوفاء عن “حل الدولتين” و”الشرعية الدولية”.
الضفة وغزة.. وجهان لمجزرة واحدة
لا يمكن فهم ما يجري في الضفة الغربية بمعزل عمّا يحدث في قطاع غزة، حيث ترتكب إسرائيل جرائم حرب موثقة بحق أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين، أسفرت حتى الآن عن 178 ألف شهيد وجريح، بينهم عشرات آلاف الأطفال والنساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين.
في الضفة، تختلف الأدوات لكن الهدف واحد: تفريغ الأرض، قتل الأمل، وتدمير كل ما يمتّ لصمود الشعب الفلسطيني بصلة.
ومع كل يوم يمر، تتضح ملامح مشروع إسرائيلي شامل لابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية، بمساعدة مباشرة من المستوطنين، وغض طرف دولي، وتخاذل عربي، وصمت مخزٍ من السلطة الفلسطينية.
خاتمة: حين تتحول السلطة إلى عبء
أمام كل هذا المشهد المأساوي، لا بد من مساءلة محمود عباس وسلطته عن دورها في شرعنة الاحتلال عبر التنسيق الأمني، وتقييد المقاومة، وتجاهل معاناة الفلسطينيين الذين يتعرضون يوميًا للقتل والطرد والسلب. فالسلطة التي لا تدافع عن شعبها، ولا تمنع القتل، ولا تجرؤ على وقف التنسيق الأمني، تصبح عبئًا يجب التخلص منه، لا حليفًا يمكن الرهان عليه.
فلسطين اليوم، وفي ظل غياب القيادة الوطنية الحقيقية، تدفع الثمن مرتين: مرة من رصاص الاحتلال، ومرة من صمت المتخاذلين.
اقرأ أيضًا : تعمد للإهانة والإذلال.. اجتماع وزراء الخارجية العرب في رام الله يُجهَض بفعل الاستيطان