بينما كانت عواصم العالم تحتفل بعامٍ جديد، كانت الخرطوم تُلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة حرب همجية مزّقتها حتى العظم. مدينة كانت ذات يوم نابضة بالحياة، صارت اليوم مدينة أشباح تتناثر فيها الجثث وتنهار فيها البنية التحتية، وتُسلب منها الروح. 

الحرب التي اشتعلت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تكن مجرّد صراع داخلي، بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان، غذّتها أطراف خارجية على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لعبت دورًا رئيسيًا في تمويل وتسليح طرف من أطراف النزاع، ما ساهم في جرّ السودان نحو هاوية قد لا يخرج منها لعقود.

الخرطوم تنزف تحت أقدام الحرب

لم تكن العاصمة السودانية مسرحًا لصراع عسكري فحسب، بل تحولت إلى لوحة من الرعب والموت والدمار الممنهج. 

استعادت القوات المسلحة السودانية مؤخرًا السيطرة على المدينة، بعد نحو عام من احتلالها من قبل قوات الدعم السريع، إلا أن ما بقي منها كان ركامًا ودخانًا. 

المشاهد التي وثقتها شهادات السكان ومراسلو الصحافة الأجنبية تروي قصصًا تقشعر لها الأبدان: جثث متحللة في الطرقات، قبور ضحلة في الحدائق، أحياء خالية من سكانها، ومبانٍ محترقة اكتست جدرانها بالسواد والخراب.

كان مطار الخرطوم -رمز الربط بين السودان والعالم- من أولى ضحايا الحرب، دُمّر بالكامل واحترقت طائراته فوق المدرج. 

المتحف الوطني، حارس التاريخ السوداني، نُهب ودُمّر، في واحدة من أضخم عمليات النهب الثقافي التي شهدتها قارة أفريقيا في التاريخ الحديث. المنازل والمتاجر والمركبات، حتى الأسلاك الكهربائية، سُلبت وجُرّدت. كل شيء في الخرطوم تعرّض للنهب أو الإبادة.

وسط كل ذلك، تم تغييب العدالة والضمير، وارتُكبت فظائع إنسانية لم تشهدها السودان من قبل: عنف جنسي ممنهج، إعدامات ميدانية، وحصار غذائي ودوائي دفع الآلاف للموت جوعًا ومرضًا. مشاهد الخرطوم لم تكن فقط نتيجة حرب أهلية، بل جريمة جماعية سُكت عنها دوليًا.

الإمارات.. الحليف الخفي في الكارثة السودانية

في قلب هذه المأساة السودانية، تبرز بصمات دولة الإمارات، ليس كوسيط سلام، بل كفاعل رئيسي في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات حلّها. منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، ظهرت تقارير متعددة تؤكد أن أبوظبي قدّمت دعمًا لوجستيًا وعسكريًا لميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. 

هذا الدعم لم يكن سريًا تمامًا، بل حملته الوثائق المسربة وشهادات دبلوماسيين وتقارير استخباراتية.

الإمارات، التي سبق أن لعبت دورًا مشبوهًا في دعم مليشيات داخل ليبيا واليمن، كررت النهج نفسه في السودان، عبر إمداد الدعم السريع بالأسلحة، وتوفير منصات لوجستية في دول الجوار مثل تشاد وإريتريا.

كانت حسابات أبوظبي الجيوسياسية ترتكز على رغبتها في بسط النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، والتحكم بالموانئ البحرية على البحر الأحمر، وهو ما جعلها تراهن على الدعم السريع باعتباره “الذراع الأقوى” لتحقيق مصالحها.

هذا التورّط الإماراتي لم يكن بلا ثمن. فعبر تغذية هذا النزاع، ساهمت أبوظبي في تفكيك السودان فعليًا، وتسببت في معاناة إنسانية لقرابة 25 مليون سوداني يعانون من الجوع والنزوح والمرض، بحسب تقارير الأمم المتحدة. 

كما ساهمت في إفشال أي جهود دولية لتوحيد المؤسسة العسكرية السودانية أو استئناف الانتقال المدني الذي وعدت به ثورة ديسمبر 2019، حين أطاح الشعب السوداني بعمر البشير أملاً في دولة مدنية.

لقد لعبت الإمارات دور “العراب الخفي” في الخراب السوداني، فدعمت قوات انفصالية خارجة عن سلطة الدولة، وغذّت مشروعًا ميليشياويًا قام على النهب والترويع والسيطرة بالقوة. هذه الحقيقة التي ما زالت تُمارس في ظل صمت دولي مخجل، تُسجّل كوصمة عار في تاريخ تدخلات الإمارات الإقليمية.

ما بعد الخراب.. هل يُمكن أن تُبعث الخرطوم من الرماد؟

اليوم، وبعد أن استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم، يقف الجميع أمام تحدٍ وجودي: كيف تُبنى عاصمة من جديد بعد أن سُحقت بكل هذا العنف؟ كيف يمكن لشعب فقد كل شيء، من بيته إلى جاره، من أمنه إلى ماضيه، أن يبدأ من نقطة الصفر؟ الخرطوم لم تفقد معالمها ومؤسساتها فقط، بل فقدت روحها.

تلك الروح التي تناثرت بين المقابر الجماعية، والقبور الضحلة، وصور الموت المعلّقة في ذاكرة أطفالها.

لكن الخرطوم ليست وحدها من يدفع الثمن.

العالم بأسره مسؤول عن هذا الصمت المخزي، عن تخلي المجتمع الدولي عن السودان، عن تركه يواجه مجازر القرن الحادي والعشرين دون حتى القدرة على توثيق عدد القتلى. الخرطوم لم تسقط وحدها، بل سقطت معها إنسانيتنا.

ورغم كل شيء، ما زال في قلوب السودانيين أمل. أمل في أن تنتهي هذه الحرب، وأن يُحاسب كل من ساهم في إطالتها، سواء بالسلاح أو بالصمت.

وأن تُقام عدالة حقيقية، تُعيد للخرطوم بعضًا من عزّها، وللسودان بعضًا من سيادته، وللعالم شيئًا من ضميره.

اقرأ أيضًا : القصة الكاملة: النظام الإماراتي في قفص الاتهام بتهمة دعم الإبادة الجماعية في السودان