في قلب الخرطوم، العاصمة التي كانت تعجّ بالحركة والنشاط، لا يسمع اليوم سوى الصمت، ولا يُرى سوى آثار الدمار الممتد على واجهات المباني المتهالكة. وسط المدينة الذي كان يومًا مركزًا نابضًا بالإدارة والاقتصاد، تحوّل إلى مساحة من الفراغ القاتم، بعد أكثر من عام من الحرب التي غذّتها أيادٍ خارجية، وعلى رأسها دولة الإمارات عبر دعمها المالي والعسكري للميليشيات المسلحة.

 

الفراغ الإداري.. عاصمة بلا مؤسسات

لم تعد الخرطوم عاصمةً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فمعظم دواوين الحكومة لا تزال مغلقة، والمرافق الخدمية شِبه مشلولة. ورغم ما يقال عن “تحرير” وسط المدينة من سيطرة الميليشيات، فإن المشهد على الأرض يروي رواية أخرى؛ لا عودة تُذكر للعمل المؤسسي، ولا أثر واضح لإعادة تشغيل الوزارات والإدارات.

يقتصر الحضور الإداري على محاولات خجولة هنا وهناك، كتشغيل جزئي لبعض مكاتب الشرطة، أو فتح أبواب وزارة أو اثنتين دون أي إنتاج فعلي أو تقديم خدمات للمواطنين. حتى مباني الإدارة التي سلمت من الهدم أو النهب، تُركت بلا كهرباء ولا ماء ولا شبكة اتصالات مستقرة، مما يعيق عودة أي دورة عمل طبيعية.

هذا الشلل الإداري ليس مجرد نتيجة لحرب عابرة، بل انعكاس لسياسات منهجية قادتها قوى إقليمية في مقدمتها الإمارات، التي لم تكتفِ بتمويل الميليشيات بل عملت على ضرب مؤسسات الدولة المركزية وتفريغ العاصمة من سيادتها، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات “الدولة الفاشلة”.

هدوء الأسواق.. مدينة تأنّ من الانهيار الاقتصادي

الأسواق التجارية في الخرطوم، وعلى رأسها السوق العربي وشارع الجمهورية وشارع القصر، لا تزال تلبس ثوب الحداد. لا ضجيج بائعين، ولا حركة متسوقين، ولا حتى عودة تدريجية للتجارة كما كان يُرجى. السيارات نادرة، والمارة أقل، وبعض التجار الذين تجرأوا على العودة إلى محالهم، وجدوا أنفسهم أمام ركام وحطام، لا أمام زبائن.

حتى موقف “جاكسون”، أحد المراكز المحورية للمواصلات في الخرطوم، يعمل بطاقة متدنية جدًا. خطوط السير التي كانت تربط قلب الخرطوم بمختلف أطراف العاصمة باتت شبه مشلولة، وتقلصت تعريفة النقل إلى الحد الأدنى، ليس مراعاةً للظروف بل بسبب غياب الركاب.

في هذا السياق، يتحدث بعض منظّمي حركة المواصلات عن واقع مرير: الناس لا يأتون إلى وسط الخرطوم إلا لتفقد أنقاض متاجرهم، ولا شيء يدفعهم إلى البقاء أو العودة للعمل. المرافق العامة مغلقة، والوزارات متوقفة، والمواطن لا يجد في العاصمة ما يستحق العناء.

مؤشرات خجولة.. وتجّار يقاومون النسيان

رغم هذا المشهد القاتم، تلوح بعض الإشارات الخافتة التي قد تبشّر بعودة الحياة، ولو بشكل رمزي. بعض سائقي الأجرة، مثل أحد المخضرمين الذين قرروا البقاء في الشارع رغم الخطر، بدأوا يعودون إلى مواقعهم القديمة. سوق الأدوات الكهربائية في شارع الحرية بدأ يستعيد ببطء حركته، مع عودة نحو 80 تاجرًا، لكن معظمهم لا يزال يعمل في ظل انعدام الأمن، وضعف الخدمات، وتردي البنية التحتية.

يؤكد عدد من التجار أن ما يدفعهم إلى إعادة فتح المتاجر ليس الربح، بل الإصرار على البقاء، ورفضهم لترك مدينتهم ضحية للفراغ. ومع ذلك، تبقى هذه المحاولات محدودة، وغير مدعومة بأي خطة واضحة من الدولة أو الجهات الرسمية لإعادة الإعمار أو تأمين بيئة مناسبة للعمل.

الخرطوم بين أنقاض الحرب ومخططات الخارج

الحرب في السودان لم تكن محض صراع داخلي، بل كانت حصادًا لمخططات إقليمية دُبرت بليل، تقف الإمارات في صدارتها. فمنذ سنوات، عملت أبوظبي على دعم ميليشيات منفلتة بالمال والسلاح، بدعوى “محاربة الإرهاب” و”مكافحة الإسلاميين”، بينما كانت الحقيقة أن الخرطوم تُدفع دفعًا إلى الانهيار الكامل، بهدف خلق فراغ استراتيجي يُمكّنها من فرض نفوذها الاقتصادي والعسكري في قلب البلاد.

لقد ساهمت الإمارات، بتدخلها الفجّ وتمويلها السخي للميليشيات، في تدمير العاصمة ومؤسساتها، ليس فقط عبر الدعم اللوجستي، بل عبر تبني مشروع واضح لتفكيك الدولة المركزية، وتفريغها من القدرة على الصمود أو استعادة عافيتها.

وسط كل هذا، تُترك الخرطوم اليوم بين ركام الحرب وأحلام التعافي، بينما لا يزال اللاعبون الإقليميون يتصارعون على جثتها، ويمنعون عنها أي فرصة حقيقية للشفاء.

المدينة التي تنتظر من يوقظها

رغم كل الدمار، لا تزال الخرطوم تنبض بخيط من الأمل، تحمله بعض المبادرات الفردية والتجارية الهزيلة، لكن من دون مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار، ومن دون كبح تدخلات الدول المخرّبة وعلى رأسها الإمارات، ستظل العاصمة منزوعة الحياة، رهينة الخراب.

الخروج من هذا النفق يتطلب وقفة وطنية شاملة، تبدأ بكشف الحقيقة أمام الشعب: أن من دمّر الخرطوم لم يكن فقط بفعل الحرب، بل بفعل المال السياسي القذر، والدور التخريبي الممنهج الذي لعبته قوى خارجية أرادت للسودان أن يسقط، ليكون ساحة مفتوحة لمصالحها، وموطئ قدم لمخططاتها.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل تنهض الخرطوم من تحت أنقاضها، أم تظل أسيرة لمشروع الإبادة الاقتصادية الذي وُلد في غرف الإمارات السوداء؟

اقرأ أيضًا : الجيش الإسرائيلي ينهار من الداخل: نقص في الجنود وعتاد متهالك واكتئاب يعصف بالاحتياط