في مشهد يعكس تغوّل القمع الأمني وتكميم الأصوات حتى في بيوت الله، هزّت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، فجر الخميس، حادثة خطيرة تمثّلت في اقتحام مسجد عمر بن الخطاب بمدينة المنصورة من قبل قوة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وإطلاق النار داخله، واختطاف إمامه الشيخ محمد الكازمي، لمجرد أنه تحدث عن مأساة غزة ودعا لنصرة فلسطين ورفض التطبيع.
المسجد.. منبر للرحمة أم ساحة للرصاص؟
ما حدث داخل المسجد لم يكن مجرد خرق للقانون، بل تعدٍّ فجّ على قدسية دور العبادة وكرامة المصلين، إذ تُظهر كاميرات المسجد لحظة اقتحام القوة المسلحة وسط ذهول وهلع المصلين، لتقوم بجرّ الإمام من محرابه بطريقة مهينة، في مشهد يعيد إلى الأذهان سلوك الأنظمة القمعية التي ترى في الدعاء لفلسطين “جريمة” تستحق العقاب.
غزة تكشف المستور: ماذا يخيف الانتقالي؟
خطبة الشيخ الكازمي لم تحمل سلاحًا، بل كلمات عن المأساة في غزة، ودعاءً لنصرة المظلومين. لكن في عدن التي تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي، بات مجرد إظهار التعاطف مع فلسطين خطًا أحمرًا، مما يطرح أسئلة كبرى:
-
من يخشى الدعاء لفلسطين؟
-
ولماذا باتت غزة تفضح الارتباطات السياسية لبعض القوى في الداخل اليمني؟
ردود فعل غاضبة: من المسجد إلى الشارع
الحادثة أثارت موجة استنكار رسمي وشعبي، إذ زار وزير الشباب نايف البكري المسجد وأدان “السلوك غير المسؤول”، مؤكدًا أن ما جرى “انتهاك صارخ لحرمة بيوت الله وترويعٌ للمواطنين”. كما طالب بإجراء تحقيق رسمي ومحاسبة المتورطين، في حين علّق صحفيون وناشطون بأن الحادثة تكشف وجهًا سلطويًا يخشى الكلمة الحرة حتى لو كانت من على منبر مسجد.
حالات متكررة.. وسجل أسود للانتقالي
حادثة الكازمي ليست الأولى، فقد وثقت منظمات محلية ودولية سلسلة من الانتهاكات بحق أئمة وخطباء ودعاة خلال السنوات الماضية، من بينها عمليات اختطاف واغتيال، وسط اتهامات مباشرة لقوات المجلس الانتقالي بتنفيذها، ضمن سياسة تهدف إلى إفراغ المساجد من الأصوات الإصلاحية الحرة، وفرض خطاب سياسي موالٍ للإمارات وسياساتها في المنطقة.
عدن بين سطوة السلاح وصمت المآذن
ما حدث في عدن يعكس واقعًا مريرًا: مدينة تحوّلت إلى ساحة صراع على الهوية، وخطاب ديني مكمّم، ومجتمع يُجرّم فيه التعاطف مع قضية العرب الأولى. المجلس الانتقالي، الذي يرفع شعار “التحرير”، يبدو اليوم أقرب إلى منفّذ لأجندة خارجية تعادي كل صوت يذكّر بفلسطين أو يرفض التطبيع.
غزة تكشف معادن الرجال والأنظمة
حين يصبح الدعاء لغزة تهمة، والخطبة عنها مدعاة للاعتقال، ندرك أن الاحتلال لا يكتفي بأرض فلسطين، بل يتمدد في أوطاننا عبر وكلاء يرتدون الزي الرسمي ويحملون السلاح المحلي. الإفراج عن الشيخ الكازمي بعد ساعات، لم يكن نصرًا، بل دليلًا على أن الضغط الشعبي قادر على كسر الصمت – ولو مؤقتًا.
فهل يُحاسب من دنّسوا المسجد وروعوا المصلين؟ أم أن التطبيع صار دينًا جديدًا يُفرض بالرصاص؟
اقرأ أيضا: اليمن يواجه مجاعة وشيكة: الجفاف وحرارة الصيف يكشفان آثار الحرب الإماراتية