في مشهد يعكس حجم المأساة المتفاقمة في السودان، قُتل ستة مدنيين، أمس الجمعة، جراء قصف نفذته قوات الدعم السريع على مستشفيين وأحياء سكنية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان.
الهجوم الدموي الذي استهدف البنية التحتية الصحية يأتي في وقت تواجه فيه العاصمة الخرطوم أزمة تفشٍ خطيرة لوباء الكوليرا، وسط انهيار شبه كامل في النظام الصحي.
وبينما يزداد الوضع الإنساني سوءًا، تتصاعد الاتهامات للدولة الإماراتية بدعم قوات الدعم السريع، والتي باتت متهمة من منظمات دولية بالمشاركة في تنفيذ إبادة جماعية ممنهجة في دارفور ومناطق أخرى من السودان.

أرواح تُزهق ومرافق تُدمر: تفاصيل الهجوم على الأبيض
بحسب مصدر عسكري سوداني، فإن طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدفت مستشفى الضمان الاجتماعي في مدينة الأبيض، ما أدى إلى مقتل 6 مدنيين وإصابة 12 آخرين، بعضهم في حالات حرجة. تزامن ذلك مع قصف مدفعي طال أحياءً سكنية ومرفقًا صحيًا آخر، ما أدى إلى خروج المستشفى عن الخدمة بشكل كامل. وأكدت إدارة المستشفى الحصيلة، وأعلنت تعليق العمل فيه “إلى حين إشعار آخر”.
وفي أول رد فعل دولي، عبّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، عن صدمته من الهجوم قائلاً: “نشعر بالهلع من قصف مستشفيات الأبيض. هذه الهجمات يجب أن تتوقف فورًا، فاستهداف المرافق الصحية هو انتهاك جسيم للقانون الدولي”. وأكد أن “أفضل دواء لإنهاء هذه المعاناة هو السلام”، في دعوة ضمنية لتحرك دولي لوقف الحرب التي مزقت السودان منذ أكثر من عام.
معارك متواصلة في كردفان ودارفور: الجيش يستعيد أم صميمة
رغم الهجمات، أعلن الجيش السوداني، عبر مصادره، استعادة السيطرة على منطقة “أم صميمة” الواقعة غربي الأبيض، وذلك بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع. وكانت هذه الأخيرة قد أعلنت في وقت سابق سيطرتها على المنطقة ومناطق أخرى مجاورة. ويكتسب هذا الموقع أهمية إستراتيجية نظراً لوقوعه على الطريق الرابط بين الخرطوم وإقليم دارفور.
في السياق ذاته، أكد العقيد أحمد حسين مصطفى، الناطق باسم “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح”، أن مليشيا الدعم السريع تواصل قصفها المدفعي الكثيف للأحياء السكنية في مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور، مؤكداً أن “القصف لم يتوقف منذ ساعات الصباح الأولى، ويستهدف مناطق مأهولة بالسكان”.
مدينة الفاشر، التي تُعد آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في إقليم دارفور، تشهد منذ أشهر مواجهات دامية هي الأعنف منذ اندلاع الحرب، وسط تحذيرات أممية من وقوع مجازر جديدة بحق المدنيين العزل.
الخرطوم تُصارع الكوليرا: الأطباء في سباق مع الموت
في الوقت الذي تشتد فيه المعارك العسكرية، تلوح في الأفق كارثة صحية تهدد حياة الآلاف في الخرطوم، حيث تفشى وباء الكوليرا بشكل مقلق. وقال الطبيب حمد عادل من منظمة أطباء بلا حدود: “نعمل بأقصى طاقتنا داخل مستشفى بشائر رغم النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. الوضع يزداد سوءًا”.
وأضاف: “نستخدم كل ما لدينا من وسائل متاحة للحد من انتشار الوباء، لكن دون دعم دولي عاجل سنفقد السيطرة”.
وبحسب تقارير صحية، فإن العشرات لقوا حتفهم هذا الأسبوع في العاصمة السودانية بسبب الإسهال الحاد والجفاف، وهما من أبرز أعراض الكوليرا، في ظل انهيار شبكة الصرف الصحي، وانقطاع المياه النظيفة، ونزوح مئات الآلاف من منازلهم إلى مناطق مكتظة ومهملة طبيًا.
اتهامات صريحة للإمارات: دعم عسكري للإبادة الجماعية
مع تصاعد القصف على المدنيين والبنية التحتية، تزايدت الاتهامات للإمارات بدعمها العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع. وأكدت تقارير دولية عدة، بينها تحقيقات صحفية واستقصائية، أن أبو ظبي قدّمت طائرات مسيرة وذخائر وأسلحة ثقيلة لقوات حميدتي، وتم تهريبها عبر موانئ إريتريا وليبيا، كما تم تدريب عناصر الدعم السريع على أراضٍ إماراتية وسودانية.
وفي مارس/آذار الماضي، تقدمت الحكومة السودانية بشكوى رسمية ضد الإمارات إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، متهمة إياها بدعم “الإبادة الجماعية” الجارية في دارفور، حيث تُرتكب جرائم تطهير عرقي واغتصاب وقتل جماعي بحق المدنيين من المكونات الزنجية.
ورغم هذه الاتهامات، تواصل أبو ظبي نفيها، مدعية التزامها بالحياد. لكن التناقض بين التصريحات الرسمية والوقائع الميدانية بات يدفع المجتمع الدولي لمساءلة دور الإمارات في تأجيج الحرب وتعطيل أي مساعٍ للسلام.
خاتمة: السودان بين الحرب والموت البطيء
في ظل هذا المشهد المظلم، يقف السودان على حافة الانهيار الكامل، حيث تتقاطع نيران الحرب مع أوبئة قاتلة، وتتغذى المأساة على دعم إقليمي مشبوه يتجاهل أرواح المدنيين.
ومع غياب أي بوادر لحل سياسي قريب، يبدو أن الشعب السوداني يُترك وحيدًا في مواجهة آلة القتل، بينما يتراخى المجتمع الدولي في التدخل لإنقاذ ما تبقى من حياة. وفي الوقت الذي تسقط فيه القنابل على المستشفيات، ويغرق الناس في وباء الكوليرا، يظل الأمل معلقًا على لحظة يتوقف فيها العالم عن الصمت، ويبدأ محاسبة من يرعى الحرب ويمولها.
اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي.. “الدعم السريع” تقصف مستشفى وتُفجّر الوضع الإنساني وسط السودان