في تطور مروّع يعكس تصعيد الحرب الدائرة في السودان، قصفت قوات “الدعم السريع” المدعومة من الإمارات مستشفى الضمان الاجتماعي في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل العشرات بين مدنيين ومرضى. 

وأفادت هيئة محامي الطوارئ في بيان رسمي أن طائرة مسيّرة تابعة للدعم السريع استهدفت بشكل مباشر المستشفى، مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، وإصابة أكثر من 15 آخرين، بينهم أطباء ومرضى ومرافقون.

الهجوم أحدث دمارًا واسعًا في أقسام المستشفى، وأدى إلى توقفه الكامل عن العمل، ما فاقم الكارثة الصحية في المدينة التي تعاني أصلًا من تدهور في الخدمات الطبية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عام. في ظل هذه الظروف، يصعب على المدنيين في الأبيض الحصول على رعاية طبية، خصوصًا مع الحصار الميداني المفروض من قوات الدعم السريع على بعض الطرق والمراكز الصحية.

وفي رد فعل سريع، أعلن الجيش السوداني تنفيذ قصف مدفعي استهدف مواقع الدعم السريع شمال الأبيض، ردًا على قصفها للأحياء السكنية والمرافق الحيوية في المدينة، في وقت تحدثت فيه مصادر طبية محلية عن أعداد من الضحايا بين المدنيين لم يتم حصرهم بعد.

من الأبيض إلى الفاشر.. حرب لا ترحم المدنيين

الهجمات الدامية التي تنفذها قوات الدعم السريع لم تقتصر على الأبيض فقط، إذ أعلنت وزارة الخارجية السودانية عن مقتل 28 شخصًا آخرين في مدن الأبيض والدبيبات والخوي خلال الساعات الماضية، جميعهم سقطوا بنيران قوات الدعم السريع، التي وسّعت من نطاق عملياتها على المراكز المدنية، في سلوك يصفه مراقبون بأنه يرقى إلى جرائم حرب.

وبحسب وزارة الخارجية، استهدفت “الدعم السريع” أيضًا مستودعات برنامج الأغذية العالمي في مدينة الفاشر، ما قد يهدد بإيقاف عمليات الإغاثة الإنسانية التي تُعد شريان الحياة الوحيد في مناطق النزاع. ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية، حيث تسبب النزاع في نزوح نحو 13 مليون شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، ويعاني الملايين من خطر الجوع ونقص الدواء والماء.

وفي الوقت الذي تصعد فيه قوات الدعم السريع من هجماتها العشوائية على المدنيين والبنية التحتية، أعلنت هذه القوات عن سيطرتها على مدينة الحمادي ومنطقة كازقيل جنوب الأبيض، في تحرك قالت إنه حقق “خسائر فادحة في صفوف الجيش”، واستحوذ على كميات كبيرة من العتاد والأسلحة.

غير أن هذه المزاعم تتناقض مع ما أعلنه الجيش السوداني قبل أسبوعين من سيطرته على مدينة الحمادي، وما سبقها من إعلان يوم الجمعة الماضية بالسيطرة الكاملة على منطقة الدبيبات ذات الموقع الاستراتيجي الذي يربط بين ولايات كردفان الثلاث، بالإضافة إلى إعلان السلطات الحكومية بسط سيطرتها على كامل ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض.

أطماع “حميدتي” والدعم الإماراتي: معركة نفوذ لا تنتهي

تصاعد الهجمات الوحشية التي تنفذها قوات “الدعم السريع” لا يمكن فصله عن الدعم السياسي والعسكري الذي تتلقاه من دولة الإمارات، وفقًا لتقارير أممية وإعلامية متعددة، كان آخرها اتهامات رسمية وجهتها الحكومة السودانية لأبو ظبي بتزويد قوات حميدتي بالسلاح عبر قنوات تهريب تمتد من ليبيا إلى إريتريا. 

كما أكدت تحقيقات استقصائية أن الدعم السريع تتلقى تدريبات وتمويلًا غير مباشر من الإمارات، عبر شركات أمنية خاصة تتخذ من أبو ظبي مقرًا لها.

وتُتهم الإمارات باستخدام قوات الدعم السريع كأداة لتنفيذ أجندات جيوسياسية في الإقليم، وخاصة في مناطق النفوذ المتنازع عليها في السودان، مثل إقليم دارفور وولايات كردفان الغنية بالموارد. وسبق أن رصدت جهات حقوقية تورط الإمارات في إرسال طائرات مسيرة إلى قوات حميدتي، يُعتقد أن إحداها استخدمت في قصف مستشفى الأبيض.

كما لا تُخفي أبو ظبي دعمها السياسي لحميدتي، حيث امتنعت عن إدانة الانتهاكات المتكررة التي ترتكبها قواته ضد المدنيين، وأبقت على قنوات تواصل دبلوماسي وتجاري معه، ما يعكس رغبة واضحة في ترجيح كفة المليشيا في المعركة ضد الجيش السوداني، الذي يتلقى بالمقابل دعمًا متفاوتًا من مصر وبعض القوى الدولية.

ويؤكد مراقبون أن الإمارات تتعامل مع السودان كساحة نفوذ، تسعى من خلالها إلى فرض ترتيبات سياسية تضمن لها الوصول إلى الموانئ والموارد الطبيعية، حتى ولو كان الثمن دماء المدنيين. 

الدعم الإماراتي للدعم السريع لا ينفصل عن سياق أوسع من تدخلات أبو ظبي في شؤون دول عربية أخرى، كما حدث في ليبيا واليمن، ما يجعل السودان محطة جديدة لمشروع إقليمي يتجاوز حدود الجغرافيا ويهدد استقرار المنطقة برمتها.

خاتمة: نحو كارثة أوسع إن لم يتحرك المجتمع الدولي

الهجوم على مستشفى الضمان الاجتماعي في الأبيض يمثّل جرس إنذار جديد لحجم المأساة المتفاقمة في السودان، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء أمام قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، والتي تواصل قصفها للمرافق الحيوية وترويع المدنيين، في ظل صمت دولي مريب.

إن فشل المجتمع الدولي في كبح جماح هذا التصعيد، والسكوت عن دور الإمارات في تغذية النزاع، قد يفتح الباب أمام حرب طويلة الأمد تهدد وحدة السودان واستقراره، وتحوّله إلى بؤرة جديدة للفوضى، تمامًا كما حدث في دول عربية أخرى. فهل يتحرك العالم قبل فوات الأوان؟

اقرأ أيضًا : بين القذائف والكوليرا.. الدعم السريع يقصف مستشفيات شمال كردفان وسط كارثة صحية متفاقمة