في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي شهدها إقليم كردفان في الأيام الأخيرة، أعلنت شبكة أطباء السودان، الأحد، عن مقتل 11 مدنيًا بينهم 3 أطفال وإصابة 31 آخرين، جراء ما وصفته بـ”هجوم وحشي شنّته قوات الدعم السريع” على منطقة شق النوم بولاية شمال كردفان، جنوب البلاد. 

وبينما لم تصدر قوات الدعم السريع أي تعليق على الاتهامات حتى كتابة هذا التقرير، فإن المؤشرات الميدانية والتقارير الطبية والحقوقية تعزز من فرضية “الاستهداف المتعمد للمدنيين”، وهو ما بات نهجًا متكررًا لتلك القوات منذ اندلاع النزاع العسكري مع الجيش السوداني.

وبحسب بيان الشبكة الطبية المستقلة، فإن من بين المصابين 9 نساء، بعضهن في مراحل متقدمة من الحمل، الأمر الذي يضاعف من فداحة المأساة الإنسانية. ووصفت الشبكة الهجوم بأنه “الاعتداء الأشد وحشية”، معتبرة أنه “انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية”، ويمثل استمرارًا ممنهجًا لسياسة “قتل المدنيين العزل” التي تتبعها قوات الدعم السريع في مختلف أنحاء البلاد، لا سيما المناطق الخارجة عن سيطرتها.

نهج ممنهج بغطاء سياسي إقليمي.. والإمارات في قفص الاتهام

الهجوم الجديد يعيد إلى الواجهة الدور الإقليمي في تغذية النزاع السوداني، وعلى رأسه دولة الإمارات، التي وجدت نفسها في قلب اتهامات متصاعدة بتأجيج الحرب الأهلية، عبر دعمها العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع.

فمنذ بدايات النزاع في أبريل 2023، تواترت تقارير استخباراتية وحقوقية عن قيام أبو ظبي بإرسال شحنات من السلاح والذخيرة إلى قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”، عبر شبكة من المرتزقة والوسائط غير الرسمية، مستفيدة من تحالفات قديمة في دارفور وليبيا واليمن.

ويبدو أن الدعم الإماراتي تجاوز الجانب العسكري ليشمل الأبعاد السياسية والإعلامية كذلك، إذ لعبت منصات مقربة من أبو ظبي دورًا في تلميع صورة الدعم السريع وتبرير جرائمها، في الوقت الذي كانت فيه تقارير الأمم المتحدة توثق انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، شملت القتل العشوائي، الاغتصاب الجماعي، وتدمير البنية التحتية للمناطق السكنية.

الدعم غير المشروط من الإمارات، كما يرى مراقبون، لا يمكن عزله عن مصالح استراتيجية أوسع تسعى أبو ظبي لتثبيتها في السودان، تتعلق بموانئ البحر الأحمر، والتغلغل في مفاصل الاقتصاد السوداني، عبر الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أو بعائلة حميدتي. وهذا ما يجعل من الحرب الراهنة، حربًا إقليمية بالوكالة، يدفع ثمنها ملايين السودانيين.

شمال كردفان بين فكي الجيش والدعم السريع.. وتصاعد الكارثة الإنسانية

الهجوم الأخير على شق النوم يعكس التصاعد الخطير في حدة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خاصة في ولايات كردفان الثلاث (الشمالية والغربية والجنوبية). وقد تحوّلت شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة إلى مسرح لعمليات انتقامية وقصف متبادل، في ظل سعي كل طرف للسيطرة على الممرات الحيوية والمؤسسات الإدارية.

الجيش السوداني، الذي بدأ يحقق تقدما ميدانيا ملحوظًا في ولايات عدة منها الخرطوم والنيل الأبيض، يواجه تحديات ميدانية في كردفان، خاصة أن الدعم السريع يمتلك شبكات دعم قبلية وتاريخية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى تواجد معسكرات تدريب ومخازن للأسلحة جرى توثيقها سابقًا.

في المقابل، تدفع مناطق كردفان ثمن هذا الصراع باهظًا، ليس فقط من حيث أعداد الضحايا، بل من حيث الانهيار الكامل للخدمات الصحية والغذائية، والنزوح القسري لآلاف الأسر. وقد حذرت منظمات إغاثية من أن الوضع في كردفان ينذر بـ”كارثة إنسانية”، خصوصًا مع الحصار الذي تفرضه الميليشيات، وصعوبة وصول المساعدات الطبية أو الإمدادات الغذائية.

نداءات شبكة أطباء السودان للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومنظمات حقوق الإنسان لم تلق حتى الآن الاستجابة العاجلة التي تقتضيها المجازر المتكررة. وفي ظل استمرار التواطؤ الدولي وصمت العواصم المؤثرة، يخشى كثيرون أن تتحول كردفان إلى “دارفور جديدة”، حيث الصراع العرقي المسلح يُعاد إنتاجه تحت غطاء سياسي واقتصادي جديد.

خاتمة: عندما تُغتال الجغرافيا بالدم.. ويُدفن الصمت الدولي في شق النوم

مجزرة شق النوم ليست مجرد حدث عابر في سياق حرب طويلة، بل هي مؤشر صارخ على أن المشروع العسكري لقوات الدعم السريع، بدعم إماراتي معلن أو مستتر، يقوم على سحق المدنيين والسيطرة بالقوة على المناطق الحيوية، ضمن حسابات إقليمية مريبة. وفي غياب أي ردع دولي حقيقي، ومع استمرار العجز الأممي، يتكرّس واقع جديد من الفوضى والإفلات من العقاب في السودان.

اقرأ أيضًا : أين السلطة؟.. مستوطنون يحرقون منازل بالخليل والجيش يصادر آلاف الدونمات بالضفة