في مشهد مألوف ضمن بيئة الخليج المحتقنة سياسيًا، شنّت حسابات سعودية بارزة على منصات التواصل الاجتماعي حملة منظمة ضد المفكر والأكاديمي القطري الدكتور نايف بن نهار، اتخذت طابعًا عدوانيًا وممنهجًا.

لم يكن الهجوم على بن نهار بسبب تصريح عابر أو زلة لسان، بل نتيجة لتراكمات فكرية ومواقف سياسية باتت تؤرق السلطات السعودية، وعلى رأسها ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يبدو أن تصاعد شعبية خطاب فكري مستقل يهدد سرديته الرسمية.

 

نايف بن نهار.. فكر بديل يتمدد في الفراغ

ظهر نايف بن نهار في السنوات الأخيرة كواحد من أبرز الأصوات الفكرية في منطقة الخليج، مقدّمًا مزيجًا فريدًا من الطرح الإسلامي المتجدد والنقد السياسي الرصين.

تجاوزت لقاءاته عبر برامج البودكاست ملايين المشاهدات، لا سيما لقاءاته الأخيرة التي ناقش فيها موضوعات شائكة مثل “تفكيك السردية الصهيونية”، و”تربية النفس من خلال القرآن”، و”فهم مقاصد الشريعة في الواقع المعاصر”.

توسّعت قاعدته الجماهيرية في السعودية بشكل لافت، خصوصًا بين فئة الشباب، وهو ما دفع كثيرين إلى مقارنته بسيد قطب من حيث التأثير وليس التشابه في الطرح. 

وبدلاً من أن ترد عليه بمنطق فكري، لجأت الجهات المحسوبة على “الذباب الإلكتروني” السعودي إلى الهجوم الشخصي والتخوين والتأليب.

لماذا يخشاه الذباب الإلكتروني السعودي؟

الهجوم لم يأتِ من فراغ. حسابات ضخمة يتابعها مئات الآلاف مثل “كولومبوس” و”زهرانكو”، بالإضافة إلى أسماء حقيقية من بينها الأكاديمي عبد الله الجديع، شاركت في الهجمة الرقمية، متهمة بن نهار بـ”التحريض على الحاكم”، و”تقديم أطروحات خطيرة تتسلل إلى عقول الشباب”.

المفارقة أن هذه الحسابات نفسها لا تملك أي رصيد معرفي في الساحة الفكرية، بل تتخصص منذ سنوات في الهجوم على كل من ينتقد سياسات النظام السعودي أو يرفض الانخراط في مشروع “التطبيع الثقافي”، أو من يُظهر استقلالًا في التفكير.

فبن نهار كان من أوائل المثقفين الخليجيين الذين عبّروا عن رفضهم لاتفاقات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وساندوا المقاومة الفلسطينية في غزة، وهي مواقف تضعه مباشرة في مرمى نيران جهاز الدعاية السعودي.

اللافت أن كثيرًا من التغريدات التي تهاجمه تكرّر عبارات واحدة وتستخدم صورًا مركبة ومصممة خصيصًا لتشويه سمعته، ما يدلّ على وجود “غرفة عمليات إلكترونية” تدير الحملة، وهي ظاهرة مألوفة في ظل “إعلام الظل” الذي أسسه محمد بن سلمان لإدارة الرأي العام وتوجيهه داخل المملكة وخارجها.

ذاكرة لا تنسى: حصار قطر وموقف بن نهار

إحدى أدوات الهجوم كانت استعادة تصريحات نايف بن نهار خلال الأزمة الخليجية في 2017، حين قررت السعودية والإمارات ومصر والبحرين فرض حصار شامل على قطر. 

يومها، وقف ابن نهار مع بلده قطر ودافع عنها بقوة، موجّهًا انتقادات صريحة للسعودية، وهو ما لم تنسه دوائر الحكم في الرياض على ما يبدو. فسياسات ابن سلمان تقوم على تصفية الحسابات، لا التسامح، ولا تحتمل بروز شخصية مستقلة تطالبه بالإصلاح الحقيقي وتنتقد تغوّله الأمني والسياسي.

نجم يتصاعد رغم العاصفة

في المقابل، لم تمر هذه الحملة دون رد. دافع أكاديميون ومثقفون عن ابن نهار، مشيدين بمحتواه الفكري ومنهجه الراقي في الخطاب. قال الدكتور محمد الشيب، أستاذه في جامعة قطر، إن نايف كان “طالب علم استثنائيًا”، وامتاز منذ شبابه بالجمع بين العلم الشرعي والانفتاح على الفكر العالمي.

كما اعتبر مثقفون آخرون أن الهجوم السعودي يؤكد أن ابن نهار “أصاب وجعًا”، وأن ما يقدمه من رؤية بديلة يقلق السلطة السعودية التي لم تعد تكتفي بتكميم أفواه المعارضين داخل المملكة، بل توسّعت في ملاحقة الأصوات الحرة خارج حدودها الجغرافية، طالما أن صوتها يصل إلى الداخل السعودي.

ما وراء الهجمة: الخوف من استقلال العقل

الخطورة التي يشكلها نايف بن نهار في نظر النظام السعودي لا تتعلق فقط بمواقفه السياسية، بل بقدرته على صياغة مشروع فكري جذّاب ينطلق من الإسلام لكنه لا يخضع للسلطة. 

فالدولة التي تسعى لإعادة تشكيل الخطاب الديني بما يتماشى مع رؤية “2030” ومصالح التطبيع والتبعية للغرب، لا تحتمل وجود فكر نقدي يصوغ قيمًا بديلة تشكّك في هذه المسارات.

كما أن اتساع شعبية نايف بن نهار، خاصة بين شباب السعودية، يهدد السردية الرسمية التي تعمل على تهميش الفكر وتحويل المواطن إلى مستهلك لا مفكر، تابع لا ناقد، صامت لا فاعل. ولهذا، يصبح صعود نايف بن نهار إشكالًا وجوديًا بالنسبة لمشروع محمد بن سلمان السياسي والدعائي.

في الختام: صراع بين مشروعين

الهجوم السعودي على نايف بن نهار ليس سوى فصل من فصول الصراع بين مشروعين في الخليج: مشروع يسعى لتدجين العقول وتحويل الشعوب إلى أدوات في خدمة الحاكم، وآخر يسعى لتحرير الإنسان العربي عبر فكر متجدد ومستقل.

وبينما يمتلك الذباب الإلكتروني المال والضجيج، فإن ابن نهار يمتلك الكلمة والرؤية.. والتاريخ يثبت أن الكلمة أبقى من الضجيج.

اقرأ أيضا : أأرامكو السعودية تقترض مجددًا لتعويض خسائر النفط.. لماذا ارتفعت ديون عملاق الطاقة؟