أثارت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأخيرة جدلاً واسعاً على الساحة الإقليمية، لا سيما بعد تأكيده أن انسحاب دولة الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وتحالف “أوبك+” لا يمثل سوى “لا حدث” ولا تأثير له على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وقد عكست هذه التصريحات -التي تضمنت إزدراءً واضحاً للإمارات بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية- وصول العلاقات بين البلدين إلى طريق مسدود، حيث وصف تبون القطيعة مع أبوظبي بأنها قطيعة نهائية لا رجعة فيها.

وتأتي هذه التطورات في ظل تباين حاد في المواقف السياسية والاقتصادية بين الجزائر وأبوظبي، خصوصاً فيما يتعلق بأزمات المنطقة وقضايا الطاقة.

تصريحات تبون حول “أوبك” والسياسة النفطية

خلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، وفي رده على سؤال حول قرار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+”، وصف الرئيس تبون هذا القرار بأنه “لا معنى له ولا تأثير”، مشيراً إلى أن الركيزة الأساسية لعمل المنظمة واستقرارها هي المملكة العربية السعودية.

وجاء هذا الموقف متناغماً مع البيان الصادر عن وزارة المحروقات الجزائرية، الذي أكد التمسك الكامل بالتزامات الجزائر داخل “أوبك” و”أوبك+”، باعتبارهما الإطارين الأساسيين لاستقرار سوق البترول العالمية. وكان هذا البيان قد صدر بعد يوم واحد فقط من إعلان الإمارات انسحابها من المنظمة وتحالفها، على أن يسري القرار بداية من مطلع شهر مايو/أيار.

دلالات القطيعة النهائية مع أبوظبي

اعتبر مراقبون سياسيون أن تأكيد تبون على أن القطيعة مع أبوظبي “نهائية” يعكس تراكمات من الخلافات العميقة حول التدخلات الإماراتية في الشؤون الداخلية والأزمات الإقليمية، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء والملف الليبي.

ويعكس هذا الموقف إزدراءً جزائرياً واضحاً للسياسات الخارجية التي تنتهجها أبوظبي، والتي تُرى في الجزائر على أنها محاولة لتقويض الاستقرار الإقليمي ودعم أطراف تؤثر سلباً على الأمن القومي الجزائري. وعليه، فإن التقليل من شأن الانسحاب الإماراتي من “أوبك” يمثل رسالة سياسية واضحة بعدم الاكتراث بالدور الإماراتي في ملفات النفط والسياسة.

التاريخ والهوية الجزائرية في مواجهة التصريحات الفرنسية

في سياق آخر من اللقاء الإعلامي، تطرق الرئيس تبون إلى زيارة البابا إلى الجزائر منتصف أبريل/نيسان الماضي، مؤكداً أن هذه الزيارة وضعت حداً لخرافة المستعمر السابق (فرنسا) بأنه هو من خلق الجزائر.

وأوضح تبون أن البابا “على دراية تامة بما يجري في الجزائر”، وأنه أشار علناً إلى أن الجزائر متجذرة في التاريخ إلى ما قبل القديس أوغسطين. ويُذكر أن أوغسطين وُلد عام 354 ميلادية في مدينة تاغست (سوق أهراس حالياً) وتولى أسقفية هيبون (عنابة حالياً)، مما يؤكد عمق الأمة الجزائرية وحضارتها الممتدة عبر العصور.

وجاء هذا الرد في إطار دحض تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2021، التي شكك فيها بوجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، وهو ما أثار حينها موجة غضب عارمة وأدى إلى استدعاء السفير الجزائري للتشاور.

خاتمة 

تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون تمثل تحولاً في الخطاب السياسي الجزائري الذي أصبح أكثر حزماً تجاه التدخلات الخارجية والدول التي تسعى لفرض أجنداتها في المنطقة. إن القطيعة النهائية مع أبوظبي، إلى جانب التمسك بالسيادة التاريخية والدور المحوري في أسواق الطاقة، يعبران عن رؤية الجزائر المستقلة في إدارة شؤونها وعلاقاتها الدولية والإقليمية.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان