في زمنٍ تتسارع فيه مشاهد الدماء والدمار في غزة، يطلّ على العالم رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، حاملاً خطابًا استثنائيًا يضعه في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ليدعو إلى تحرير فلسطين بالسلاح ويُدين الإبادة الجماعية بلا مواربة.
وفي المقابل، يقف حكامٌ عرب، من عبد الفتاح السيسي إلى ملك الأردن، في صف الصمت والتواطؤ، إما خضوعًا للضغوط الأميركية أو حفاظًا على علاقات استراتيجية واقتصادية، في مشهد يفضح الفارق الجوهري بين قيادة تحمل شرف الموقف وقيادات تخلّت عن واجبها تجاه الأمة والقضية.

بيترو.. خطاب يعلو فوق الدبلوماسية التقليدية
غوستافو بيترو لم يكتفِ بمجرد بيانات تنديد أو دعوات عامة، بل أعلن بوضوح أن الدبلوماسية لم تعد مجدية في غزة. وصف دونالد ترامب بأنه العقبة الرئيسية أمام السلام، ودعا إلى استخدام آلية “الاتحاد من أجل السلام” بالأمم المتحدة لتجاوز الفيتو الأميركي، وحتى تشكيل قوة دولية مسلحة لحماية الفلسطينيين.
هذه اللغة الحادة لم تبقَ حبرًا على ورق؛ فقد أوقفت حكومته صادرات الفحم إلى إسرائيل، وهو قرار اقتصادي عملي يحمل أثرًا ملموسًا. كما ظهر بنفسه بين الجماهير في نيويورك، يطالب الجنود الأميركيين بعصيان أوامر ترامب وعدم المشاركة في قتل الأبرياء، مكرسًا صورة قائد لا يخشى كسر المحرّمات السياسية في وجه الإمبراطورية الأميركية.
تاريخ مناصرة فلسطين في أميركا اللاتينية
خطاب بيترو ليس معزولًا عن السياق؛ فأميركا اللاتينية، التي عانت من الاستعمار والديكتاتوريات المدعومة غربيًا، تحتفظ بحساسية عالية تجاه قضايا التحرر. معظم دولها اعترفت بفلسطين منذ عقود. ومن هذا الإرث الثوري يستمد بيترو شرعية خطابه حين يستحضر رموز التحرر مثل سيمون بوليفار، ويدعو إلى توحيد جيوش العالم ضد الاستبداد الذي تجسده واشنطن وحلف الناتو. إنه خطاب يربط القضية الفلسطينية بالعدالة العالمية، لا كملف إقليمي، بل كاختبار لإنسانية البشرية جمعاء.
ردّ أميركي غاضب.. دليل نجاح الرسالة
لم يمضِ وقت طويل حتى أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء تأشيرة دخول بيترو، متهمة إياه بالتحريض والتهور. هذه الخطوة تكشف حجم الإزعاج الذي أحدثه خطابه، إذ لم تكتفِ واشنطن بتجاهل تصريحاته بل عاقبته علنًا، لتبعث رسالة لكل من يفكر في كسر السردية الغربية حول غزة. وهنا يظهر الفارق مجددًا: رئيس دولة صغيرة نسبيًا يتحدى القوى الكبرى، فيما أنظمة عربية كبرى تصمت أو تبرر وتكتفي بالتنسيق خلف الأبواب المغلقة. منها نظام السيسي والملك عبد الله.
السيسي.. خطاب مزدوج وسياسة خاضعة
في مصر، اكتفى عبد الفتاح السيسي بالتأكيد على أنه “لن يغامر بحياة المصريين من أجل إدخال المساعدات بالقوة”، مفضلاً تصوير أي تحرك لكسر الحصار على أنه مغامرة عسكرية غير محسوبة.
هذا الخطاب يعكس منطقًا دفاعيًا يقدّم أمن النظام على حساب دماء الفلسطينيين، ويضع مصر عمليًا في موقع شريك غير مباشر للحصار، عبر إغلاق معبر رفح أو تقييد المساعدات وفق إملاءات الاحتلال.
المفارقة أن القاهرة، التي كانت تاريخيًا قلعة للمقاومة والدعم، تحولت إلى وسيط بارد، يوازن بين علاقته بواشنطن والتزاماته مع إسرائيل، وبين الغضب الشعبي الداخلي الذي يرفض الخيانة ويعتبرها طعنة في ظهر فلسطين.
ملك الأردن.. وصاية بلا فعل
الملك عبد الله الثاني بدوره يقدّم نفسه كوصي على المقدسات في القدس ومدافع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، لكن خطابه لا يتجاوز حدود الشكوى والانتقاد. فالأردن، المرتبط باتفاقية وادي عربة وعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن وتل أبيب، يجد نفسه مقيدًا بسياسات تحوّل الوصاية إلى مجرد غطاءٍ دبلوماسي، دون خطوات عملية لوقف الإبادة أو الضغط الحقيقي.
الشعوب ترى هذا التناقض بين خطابات التنديد وبين استمرار التعاون الأمني والاقتصادي، وتقرأه كخيانة أو تواطؤ، خاصة حين يتضح أن الأردن، كغيره، يضع بقاء النظام واستقراره فوق أي التزام أخلاقي أو قومي.
الفرق الجوهري: بين الموقف الأخلاقي والخضوع الواقعي
يمكن تلخيص الفارق بين بيترو وهؤلاء الحكام في ثلاثة محاور أساسية:
- الموقف الأخلاقي الصريح: بيترو واجه أميركا مباشرة، بينما اختار الحكام العرب الصمت أو الاكتفاء ببيانات دبلوماسية باردة.
- التحرك العملي: بيترو أوقف تصدير الفحم، وشارك في احتجاجات، ودعا لتشكيل جيش عالمي. أما السيسي والملك عبد الله فلم يجرؤا على كسر قيود العلاقات مع واشنطن وتل أبيب.
- الانسجام مع إرادة الشعوب: الشعب العربي يصرخ يوميًا دعمًا لغزة، بينما أنظمته تساوم وتبرر. في المقابل، بيترو يعكس تطلعات قطاع واسع من شعوب أميركا اللاتينية التي ترى في فلسطين امتدادًا لمعركتها ضد الاستعمار.
قراءة في خطاب “الخيانة”
حين يصف الشارع العربي السيسي والملك عبد الله بالخيانة، فهو لا يقصد مجرد غياب الدعم العسكري، بل غياب حتى أبسط المواقف الأخلاقية: فتح المعابر، وقف التطبيع، تجميد الاتفاقيات الاقتصادية، رفع الصوت عاليًا في الأمم المتحدة. كل ذلك غائب أو ضعيف، بينما دماء الفلسطينيين تسيل على الشاشات. هذه الهوة بين خطاب الشعوب ومواقف الحكام تجعل أي حديث عن “حسابات عقلانية” بلا قيمة، لأن النتيجة واحدة: استمرار الحصار والإبادة.
الخاتمة.. بيترو يحرج الخونة
اليوم، يصبح رئيس كولومبيا الصغير في جغرافيته كبيرًا في موقفه، شاهدًا على زمن صار فيه بعض العرب في طليعة المطبّعين والمتواطئين، بينما يأتي صوت الحرية من الضفة الأخرى للعالم. المقارنة قاسية لكنها ضرورية: بيترو يمثل الضمير الإنساني الذي يصرخ ضد الظلم، بينما يمثل السيسي والملك عبد الله صورة الحاكم العربي الذي باع قضيته وباع شعبه في سبيل كرسيه.
سيبقى التاريخ يذكر من رفع راية “تحرير فلسطين” ومن انحنى أمام إرادة البيت الأبيض. وفي حين قد يبرر هؤلاء الحكام صمتهم بالبراغماتية والمصالح، فإن دماء غزة ستظل تصرخ: هنا وقف رجل حر، وهناك خونة باعوا أمتهم.
اقرأ أيضًا :ميليشيا مدعومة من الإمارات تغلق صحيفة يومية وتداهم فعالية نسوية في اليمن