في مشهد جديد يكشف حجم الانتهاكات المتصاعدة ضد الحريات السياسية والإعلامية في اليمن، أقدمت قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على اقتحام مقر صحيفة “عدن الغد” في العاصمة المؤقتة عدن، واعتقال رئيس تحريرها فتحي بن لزرق قبل إطلاق سراحه لاحقًا، فيما شهدت مدينة المكلا بمحافظة حضرموت شرق البلاد اعتداءً على فعالية نسوية نظمها حزب التجمع اليمني للإصلاح، ما يعكس تصعيدًا خطيرًا في سياسات تكميم الأفواه وقمع الفضاء العام.

 

مداهمة فعالية نسوية في حضرموت

الهجوم الأول وقع في مدينة المكلا، حيث داهم عناصر يتبعون المجلس الانتقالي الجنوبي قاعة الأندلس التي كانت تحتضن فعالية نسوية نظمتها دائرة المرأة في حزب الإصلاح بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب وأعياد الثورات اليمنية سبتمبر وأكتوبر.
وبحسب الناشطة اليمنية أفنان البيتي، فإن الفعالية كانت مرخصة رسميًا من السلطات المحلية، إلا أن مجموعات وُصفت بـ”البلاطجة” أقدمت على إغلاق القاعة باستخدام القوة، رافعة أعلام “الجنوب الحر” في إشارة إلى النزعة الانفصالية التي يتبناها المجلس الانتقالي.

وأُجبرت المشاركات على استكمال الفعالية في الشارع أمام القاعة بعد أن تم منعهن من استخدام القاعة المحجوزة. هذا المشهد اعتبره مراقبون إهانة مزدوجة: الأولى بحق المرأة اليمنية التي تحاول التمسك بحقها في المشاركة السياسية، والثانية بحق فكرة التعددية السياسية التي تكفلها القوانين والدستور.

حزب الإصلاح: اعتداء سافر وانتهاك للقانون

حزب التجمع اليمني للإصلاح أصدر بيانًا شديد اللهجة أدان فيه ما وصفه بـ”الاعتداء السافر” على فعالية سلمية نسوية، مؤكدًا أن ما حدث يمثل سلوكًا “هجميًا واستفزازيًا” يستهدف الخصوم السياسيين ويقوض أسس التعددية السياسية.
وحمل الحزب الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية المسؤولية عن ما جرى، مشيرًا إلى أنه قد أخطر رسميًا تلك الجهات بمكان وزمان الفعالية وطلب تأمينها، لكن الأجهزة فشلت في أداء واجبها أو تواطأت بالصمت، ما يطرح علامات استفهام حول دور السلطة في حضرموت.

البيان شدد على أن ما حدث يمثل انتهاكًا صارخًا للحقوق الدستورية، ومحاولة يائسة لفرض سياسة الأمر الواقع، وإعادة البلاد إلى مربع القمع السياسي الذي ثار ضده اليمنيون في 2011.

إغلاق صحيفة “عدن الغد” واعتقال رئيس تحريرها

بالتوازي مع ما جرى في حضرموت، شهدت العاصمة عدن واقعة أكثر خطورة على صعيد حرية الصحافة، إذ اقتحمت قوة تابعة للمجلس الانتقالي مقر صحيفة “عدن الغد”، وأغلقت أبوابها وطردت موظفيها تحت تهديد السلاح، كما اعتقلت رئيس تحريرها فتحي بن لزرق قبل أن يُطلق سراحه لاحقًا.

نقابة الصحفيين اليمنيين أصدرت بيانًا أعربت فيه عن “قلق بالغ” إزاء ما حدث، معتبرة إغلاق الصحيفة واعتقال رئيسها انتهاكًا فاضحًا لحرية التعبير، وتهديدًا لحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. النقابة حمّلت المجلس الانتقالي المسؤولية عن سلامة الصحفيين وموظفي الصحيفة، مطالبة بفتح مقر الصحيفة فورًا ومحاسبة المعتدين.

انعكاسات على المشهد الإعلامي والسياسي

الحادثتان ليستا منفصلتين، بل تعكسان سياسة منهجية يتبناها المجلس الانتقالي المدعوم من أبوظبي لتقييد الحريات العامة، وإقصاء الخصوم السياسيين، والتحكم بمفاصل الحياة السياسية والإعلامية في الجنوب.
ففي الوقت الذي ترفع فيه الإمارات شعارات دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، فإن الواقع الميداني يكشف عن دعم مباشر لقوى تسعى لإضعاف العمل الحزبي المستقل وإسكات الأصوات الإعلامية الحرة.

ويرى محللون أن هذه الممارسات تأتي في إطار مشروع إماراتي طويل الأمد لبسط النفوذ على الموانئ والجزر اليمنية عبر أذرع محلية، مستخدمة أدوات الترهيب السياسي والإعلامي لإعادة تشكيل البيئة العامة بما يخدم مصالحها.

أزمة حرية التعبير في اليمن

تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين ليس الأول من نوعه في التحذير من تدهور بيئة العمل الإعلامي. فمنذ اندلاع الحرب، دفع الصحفيون اليمنيون أثمانًا باهظة من اعتقالات وتعذيب واغتيالات. واليوم، مع تزايد قبضة المجلس الانتقالي، يبدو أن الوضع يسير نحو مزيد من القمع والرقابة، ما يهدد ما تبقى من هامش حرية التعبير في البلاد.

الاعتداء على “عدن الغد”، التي تُعد واحدة من أبرز الصحف المستقلة في اليمن، يمثل رسالة واضحة لكل وسائل الإعلام المعارضة أو حتى المستقلة: “الخطوط الحمراء يحددها السلاح لا القانون”.

ختام: مؤشرات خطيرة

إن إغلاق صحيفة يومية كبرى في عدن بالتوازي مع قمع فعالية نسوية سلمية في حضرموت ليس مجرد أحداث متفرقة، بل مؤشر على منهجية متصاعدة لإعادة اليمن إلى مربع الديكتاتورية والقمع السياسي. الدور الإماراتي في دعم هذه السياسات لا يمكن تجاهله، إذ أن أبوظبي تمد المجلس الانتقالي بالسلاح والمال، فيما يتولى الأخير مهمة قمع الخصوم السياسيين والإعلاميين.

ومع استمرار هذه الانتهاكات، يصبح مستقبل التعددية السياسية في اليمن، ومعه مستقبل أي حل سياسي شامل، أكثر غموضًا، بينما يدفع اليمنيون أثمانًا جديدة لانقسام لم يعد يقتصر على الجغرافيا والسياسة، بل طال أبسط حقوقهم في التعبير والمشاركة السلمية.

اقرأ أيضًا : ضابط مخابرات يكشف: دور أبوظبي في تدمير السودان