الرسوم الجمركية، أو ما يُعرف بالتعريفات الجمركية، هي ضريبة تفرضها الدولة على السلع المستوردة من الخارج. تُحسب عادةً كنسبة مئوية من قيمة المنتج، ويجري دفعها من قبل الشركات التي تقوم بعملية الاستيراد. 

وتكمن الغاية التقليدية من هذه الرسوم في تقوية الصناعات المحلية، إذ أن السلع المستوردة تصبح أكثر تكلفة مقارنة بالمنتجات المحلية، ما يشجع المستهلكين على تفضيل المنتجات الوطنية.

لكن التعريفات لا تؤثر فقط على المنافسة التجارية، بل تُعدّ أيضاً أداة سياسية قوية تستخدمها الدول للتفاوض، أو للضغط على شركائها التجاريين من أجل تعديل ممارساتهم أو سياساتهم. يمكن أن تتسبب في ردود فعل انتقامية، وتؤدي إلى ما يسمى بـ”الحروب التجارية”، وهي سلسلة من الإجراءات والتعريفات المضادة بين الدول، تكون في الغالب مدمّرة لكلا الطرفين.

وعلى الرغم من إمكانية تحقيق بعض الأهداف قصيرة الأجل من خلال الرسوم الجمركية، إلا أن الآثار طويلة المدى قد تكون سلبية، من بينها ارتفاع أسعار السلع في السوق المحلية، وتعطّل سلاسل التوريد العالمية، وضعف ثقة المستثمرين، وتباطؤ النمو الاقتصادي، بل وربما نشوب أزمات اقتصادية.

لماذا يستخدم ترامب الرسوم الجمركية؟

يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرسوم الجمركية أداة أساسية في رؤيته الاقتصادية “أمريكا أولاً”، وهي رؤية تتبنّى مقاربة قومية للتجارة الدولية. لطالما اعتبر ترامب أن الولايات المتحدة ضحية اتفاقيات تجارية “غير عادلة”، خصوصاً مع دول مثل الصين، والمكسيك، وكندا، والاتحاد الأوروبي.

يريد ترامب من الرسوم الجمركية أن تحقق عدداً من الأهداف، منها:

  • تقليل العجز التجاري الهائل الذي تعاني منه أمريكا.

  • إعادة الوظائف إلى الداخل الأمريكي.

  • تعزيز الإنتاج المحلي.

  • إجبار الدول الأخرى على تعديل سياساتها التجارية، أو تقديم تنازلات في ملفات أخرى، كالهجرة أو السياسة الخارجية.

ترامب لا يخفي إعجابه بفكرة “التعريفة”، وقد صرّح مراراً أنها إحدى كلماته المفضلة. وهو يرى في الرسوم أداة لإعادة التوازن في العلاقات الاقتصادية العالمية التي يعتبر أنها تميل لمصلحة “الغشاشين” في الخارج.

وفي هذا السياق، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع الواردات، ورفعها إلى نسب أكبر على عدد من الدول “المخالفة” – على حد وصفه – مثل الصين (54%) وكمبوديا (49%) وفيتنام (46%)، بالإضافة إلى رسوم خاصة على السلع من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

كما فرض تعريفة بنسبة 25% على واردات السيارات الأجنبية، والصلب والألمنيوم، بل حتى على قطع غيار السيارات، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل أمريكا وخارجها.

التبعات الاقتصادية وردود الفعل الدولية

لم تمر سياسات ترامب الجمركية دون تبعات. فرغم أن الهدف المعلن هو حماية الاقتصاد الأمريكي، فإن تكلفة هذه الإجراءات عادةً ما يتحملها المستهلك الأمريكي نفسه. 

فعندما تفرض الحكومة رسوماً على المنتجات المستوردة، فإن الشركات المستوردة تقوم إمّا برفع أسعار المنتجات لتعويض التكلفة، أو تخفيض كمية الواردات، ما يؤدي إلى نقص في المعروض، وارتفاع الأسعار.

وقد أكدت عدة دراسات ومؤسسات اقتصادية أن الرسوم التي فرضها ترامب في ولايته الأولى تسببت في ارتفاع كبير في أسعار مجموعة من السلع، مثل الغسالات (بنسبة 34%)، والسيارات (حتى 10,000 دولار زيادة لكل سيارة حسب نوعها)، والمعادن كالصلب والألمنيوم. 

كما انعكست الرسوم على أسعار المواد الغذائية والمشروبات مثل البيرة والويسكي والتكيلا، وكلها منتجات تعتمد على واردات من دول أخرى.

ومن جانب آخر، فإن التصعيد الأمريكي دفع عدة دول إلى الرد بإجراءات انتقامية، ما أدّى إلى تراجع في حركة التجارة العالمية، وانخفاض في الأسواق المالية، وإرباك سلاسل التوريد الدولية. الصين، مثلاً، ردّت بتعريفات مضادة على المنتجات الأمريكية. 

أما الاتحاد الأوروبي، فلوّح بحزمة من الإجراءات المضادة على السلع الأمريكية، فيما عبّر عدد من زعماء العالم عن “خيبة أملهم” من هذه السياسات، واعتبروها تهديداً للاقتصاد العالمي.

في بريطانيا، عبّر رئيس الوزراء كير ستارمر عن قلقه من الآثار السلبية للتعريفات، لكنه أكّد استمرار التفاوض من أجل التوصل إلى “أفضل صفقة لبريطانيا”. في حين لم تتخذ لندن حتى الآن إجراءات جمركية مقابلة، إلا أن وزير التجارة أشار إلى أن بلاده تدرس خيارات الرد.

أما دول مثل كندا، اليابان، أستراليا، كوريا الجنوبية، وحتى إيطاليا – حليفة ترامب – فقد انتقدت التعريفات واعتبرتها ضارة وغير مبررة.

 هل تؤدي الرسوم الجمركية إلى نجاح اقتصادي أم كارثة تجارية؟

تفتح سياسة الرسوم الجمركية التي يتبنّاها ترامب الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل التجارة الدولية. فهل يُمكن بالفعل للاقتصاد الأمريكي أن يستفيد من هذه السياسات على المدى البعيد؟ أم أن هذه الإجراءات ستقود إلى حرب تجارية طويلة الأمد تضر بالجميع؟

ما هو مؤكّد أن ترامب يستخدم الرسوم الجمركية ليس فقط كأداة اقتصادية، بل أيضاً كسلاح سياسي. فهو يوجّهها ضد الخصوم في التفاوض، ويستخدمها كخطاب شعبوي يستقطب به قاعدته الانتخابية، خاصة في الولايات الصناعية المتضررة من العولمة.

لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً من مجرد فرض ضرائب على الواردات. فالشركات اليوم جزء من سلاسل توريد عالمية، والمنتج الأمريكي غالباً ما يعتمد على مواد أولية أو مكونات أجنبية. وبذلك، فإن أي اضطراب في حركة التجارة ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، وعلى الأسعار في الأسواق، وعلى الوظائف في الداخل.

الرسوم الجمركية، إذن، هي أداة ذات حدّين. ورغم أن ترامب يراها وسيلة لفرض الهيبة واستعادة “العدالة التجارية”، إلا أن الاقتصاديين يحذرون من نتائجها على النمو، والاستثمار، وحتى الاستقرار السياسي العالمي.

في نهاية المطاف، ستعتمد فاعلية هذه الرسوم على قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة الصراع التجاري بحكمة، وعلى تجاوب الشركاء الدوليين، وعلى مدى استعداد الأسواق لتحمّل تبعات حرب تجارية ربما تكون أكثر شراسة مما سبق.

اقرأ أيضًا : ياسر برهامي.. عندما يُباع الدين في سوق الطغاة