في مشهد يعكس عمق الأزمات التي تعصف باليمن منذ سنوات، تلوح في الأفق بوادر إقالة رئيس الحكومة أحمد عوض بن مبارك، بعد شهور من التوترات والانقسامات داخل مؤسسات الحكم “الشرعي” في عدن. 

القرار المتوقع، بحسب مصادر حكومية مطلعة، لا يمكن فصله عن الصراع الخفي والمستمر بين رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، المدعوم من السعودية، وبين رئيس الحكومة بن مبارك، الذي حاول مقاومة تغول النفوذ السعودي-الإماراتي داخل الدولة اليمنية المنهكة.

أزمة قيادة.. وعنوانها الفوضى والشلل

منذ تعيينه في فبراير 2024، لم يكن طريق أحمد بن مبارك داخل قصر المعاشيق مفروشًا بالورود، بل كان ملغوماً بصراعات متراكمة بين أجنحة متنافسة، بعضها محسوب على المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، وأخرى على دوائر محسوبة على الرياض. 

وبحسب مصادر مطلعة، فقد وصلت الخلافات بين بن مبارك والعليمي إلى ذروتها بعد إصرار الأول على تنفيذ حزمة قرارات لترشيد الإنفاق ومكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية، وهي قرارات اعتُبرت مناوئة لمصالح شبكات النفوذ التي ترعاها الرياض وأبو ظبي داخل السلطة.

النتيجة كانت شللاً مؤسسياً شبه كامل، حيث قاطع عدد من الوزراء جلسات الحكومة احتجاجًا على سياسات بن مبارك، فيما ارتفعت أصوات تطالب بإقالته واستبداله بشخصية أكثر “مرونة” في التعامل مع توجهات التحالف السعودي الإماراتي، وهو ما تحقق عمليًا باستدعائه إلى الرياض، وسط أنباء عن توافق داخل مجلس القيادة على تعيين وزير المالية سالم بن بريك خلفًا له.

تآكل الدولة.. وخلفه المحور السعودي الإماراتي

قرار الإطاحة برئيس الوزراء، لا يمكن قراءته فقط كخطوة إدارية داخل حكومة فاشلة، بل هو جزء من مشهد أكبر يتصل بتآكل بنية الدولة اليمنية بفعل التدخل الخارجي السافر. 

فمنذ إعلان ما سُمّي بـ”التحالف العربي” بقيادة السعودية والإمارات في 2015، تحولت اليمن إلى ساحة نفوذ وصراع إقليمي، جرى فيها تمزيق الجغرافيا وتقويض السيادة الوطنية وتفكيك المؤسسات الرسمية لصالح كيانات موازية تابعة مباشرة لأبو ظبي والرياض.

الإمارات، التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتسيطر فعليًا على موانئ اليمن وسواحله الاستراتيجية، دفعت باتجاه تقويض أي حكومة تحاول إحياء وحدة اليمن أو استعادة السيادة على أراضيه.

فيما مارست السعودية ضغوطًا سياسية واقتصادية على الشرعية اليمنية لإبقاء القرار السيادي تحت وصايتها، عبر دعم أطراف محددة داخل مجلس القيادة الرئاسي، وفرض إملاءات سياسية واقتصادية مهينة، من بينها إيقاف صرف الرواتب وعرقلة الدعم النقدي.

الانهيار الحاد للعملة اليمنية –الريال تجاوز حاجز 2500 مقابل الدولار– ليس سوى إحدى نتائج هذه السيطرة الخارجية، والتي جعلت من البنك المركزي أداة بيد التحالف بدلًا من أن يكون أداة للاستقرار المالي. 

كما أن انقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية في عدن وبقية المدن الخاضعة للشرعية يعكس فشلًا ذريعًا في إدارة الملف الخدمي بسبب تدخل الرياض وأبو ظبي في أبسط القرارات الإدارية والاقتصادية.

تصفية المعارضين.. والتمهيد لمرحلة أكثر تبعية

الخطوة القادمة –وفقًا لتسريبات دبلوماسية– ستكون تعيين شخصية توافقية مثل سالم بن بريك، وزير المالية، الذي يُنظر إليه كوجه أكثر قبولًا لدى دوائر النفوذ السعودية والإماراتية، ما يعني أن المرحلة القادمة ستشهد إحكامًا أكبر للوصاية الخليجية على القرار اليمني، ومحاولة خنق أي صوت إصلاحي أو مقاوم لسياسة “التبعية السياسية”.

ويرى مراقبون أن إقالة بن مبارك تأتي في سياق حملة “تصفية ناعمة” تستهدف كل من يحاول الخروج عن الخط المرسوم من أبو ظبي والرياض، حتى لو كان ذلك ضمن مؤسسات الحكومة المعترف بها دوليًا.

وهو ما يعكس، بحسب خبراء يمنيين، حقيقة أن مجلس القيادة الرئاسي ذاته لم يعد سوى واجهة شكلية لسلطة فعلية يقررها السفير السعودي محمد آل جابر وحكام أبو ظبي.

نحو قاع أكثر ظلامًا

في الوقت الذي تنهار فيه مؤسسات الدولة، ويجوع المواطن اليمني، تتفرغ الرياض وأبو ظبي لترتيب المسرح السياسي بما يضمن ديمومة الانقسام والسيطرة.

أما اليمن، فبلا قيادة حقيقية، وبلا سيادة، وبلا أمل قريب، في ظل استمرار عبث “محور الشر” الذي يقايض أمن اليمنيين ومصير دولتهم مقابل مصالحه في الموانئ والممرات وخطوط الغاز.

هل تكون إقالة أحمد بن مبارك محطة انتقالية نحو إعادة هيكلة أوسع للحكومة؟ أم مجرد خطوة أخرى في مسلسل تصفية الدولة اليمنية؟ الأكيد أن القرار اليمني لن يُستعاد ما لم يتوقف التدخل الخليجي ويُنزع الغطاء الدولي عن هذه الوصاية المهينة.

اقرأ أيضًا : هنا بدأ كل شيء.. كيف يهندس النظام الإماراتي خطط تقسيم سوريا