في تطور خطير يعكس محاولات الاحتلال الإسرائيلي لاستغلال الفوضى في سوريا وترسيخ واقع انفصالي يخدم أطماعه، استُشهد عدد من السوريين وأصيب آخرون، مساء الجمعة، جراء سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مناطق متفرقة من البلاد، أبرزها ريف دمشق، ريف حماة، ودرعا، وذلك بعد أيام من استهداف مباشر لمحيط القصر الرئاسي في العاصمة دمشق.

الغارات، التي نُفذت بعد تحريض إماراتي على تمرد في الجنوب السوري، أثارت غضباً شعبياً واسعاً ورسائل إدانة رسمية محلية وعربية، لتسلط الضوء مجددًا على العلاقة الوثيقة بين تدخلات أبوظبي ومخططات تل أبيب في سوريا، ومحاولاتهما تفكيك الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد أواخر 2024.

الاحتلال الإسرائيلي يقصف من دمشق إلى حماة

بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، استهدف الاحتلال الإسرائيلي مساء الجمعة عدداً من المواقع العسكرية والمدنية داخل سوريا عبر غارات جوية مركزة، طالت محيط مدينة حرستا بريف دمشق، وقرية شطحة في ريف حماة الشمالي الغربي، بالإضافة إلى مدينة ازرع بريف درعا الشمالي.

وأسفرت هذه الهجمات عن استشهاد مدني على الأقل في حرستا، وجرح أربعة آخرين في شطحة، فضلاً عن وقوع أضرار مادية جسيمة.

الغارات جاءت بعد ساعات من قصف جوي عنيف استهدف محيط القصر الرئاسي في العاصمة دمشق، في تصعيد غير مسبوق اعتبرته الرئاسة السورية محاولة مباشرة لضرب سيادة الدولة ومؤسساتها العليا. وفي بيان شديد اللهجة، قالت الرئاسة إن هذا القصف يمثل “تصعيداً خطيراً، لن يمر دون رد”.

لكن التصعيد الإسرائيلي لم يتوقف عند حدود العاصمة، بل امتد إلى سبع غارات جوية إضافية على أطراف دمشق، كما واصلت الطائرات الحربية تحليقها في سماء الجنوب السوري، حيث استشهد أربعة مواطنين آخرين في محافظة السويداء، إثر غارات جديدة وقعت صباح السبت.

الاحتلال الإسرائيلي تبنى هذه الهجمات عبر بيان لجيشه، زعم فيه أنه استهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية لـ”صواريخ أرض-جو” قال إنها تهدد طائراته. وأضاف البيان: “سنواصل العمل وفق الضرورة لحماية مواطني دولة إسرائيل”، في تكرار لمبررات يستخدمها الاحتلال لتبرير تدخلاته العدوانية في دول الجوار.

أوراق الإمارات لتقسم سوريا

اللافت في التوقيت أن الضربات الإسرائيلية، خصوصاً تلك التي طالت محيط القصر الرئاسي، جاءت بعد ساعات فقط من صدور بيان عن وجهاء الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، أكدوا فيه ولاءهم للدولة السورية ورفضهم لمحاولات التقسيم أو الانفصال.

وهو ما اعتبره مراقبون صفعة قوية لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي استغلال ورقة الأقليات لفرض واقع جديد يخدم مصالحه الاستراتيجية في الجنوب السوري.

وكانت حكومة دمشق قد توصلت قبل أيام إلى اتفاق مع وجهاء مدينة جرمانا –التي تقطنها غالبية درزية– لتعزيز الأمن وضبط السلاح المنفلت، ضمن جهود إعادة الاستقرار بعد انهيار نظام بشار الأسد.

لكن المثير للريبة أن هذه التطورات السياسية والأمنية تزامنت مع تحركات خفية من قبل الإمارات، التي فتحت أراضيها مؤخراً لاستقبال شخصيات درزية سورية، ووفرت لهم منابر إعلامية وخطابًا تحريضيًا يبرر التمرد على الحكومة، في تكرار لسيناريوهات سابقة شجعت فيها أبوظبي على الانفصال والتمرد المسلح في ليبيا واليمن والسودان.

ويرى محللون أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول استغلال الفراغ الأمني والمؤسساتي الذي خلفه سقوط نظام الأسد، لتمرير أجندات توسعية تبدأ بإثارة النعرات الطائفية والمناطقية، عبر بوابة الطائفة الدرزية التي طالما سعت إسرائيل لضمها إلى مشروعها الانفصالي في جنوب سوريا. 

وتأتي الغارات الأخيرة كرد فعل انتقامي على فشل تلك المحاولات بعد أن اختار الوجهاء الدروز الاصطفاف خلف مشروع سوريا الموحدة.

إدانة عربية.. لكن دون تحرك فعلي

الهجمات الإسرائيلية على سوريا أثارت ردود فعل عربية واسعة، إذ أصدرت كل من السعودية، قطر، الكويت، الأردن، اليمن، والعراق بيانات إدانة شديدة للغارة التي استهدفت محيط القصر الرئاسي، ووصفتها بأنها انتهاك سافر للقانون الدولي، ودعت إلى “تحرك دولي عاجل” لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.

كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والبرلمان العربي الاعتداءات الأخيرة، معتبرة أنها تقوّض أي فرصة للاستقرار في سوريا وتفتح الباب أمام موجة جديدة من النزوح الجماعي في المناطق التي طالها القصف.

لكن هذه الإدانات لم تتجاوز حدود البيانات الإعلامية، في ظل غياب واضح لأي آلية ردع إقليمية أو دولية قادرة على وقف العدوان الإسرائيلي المتكرر على الأراضي السورية.

الإمارات تشعل فتيل الفوضى

ما تشهده سوريا اليوم هو نسخة محدثة من سيناريو الفوضى التي زرعتها الإمارات في بلدان عربية أخرى، حيث تتولى أبوظبي التحريض والتمويل، بينما يقوم الاحتلال الإسرائيلي بالمهمة العسكرية على الأرض.

القصف الإسرائيلي لمحيط مقرات سيادية في دمشق، وتزامنه مع تحركات انفصالية درزية مدعومة من الإمارات، يكشف بوضوح وجود تنسيق غير معلن بين تل أبيب وأبوظبي لإعادة تشكيل جنوب سوريا، بعد سقوط النظام المركزي، في مشهد يعيد إلى الأذهان التدخل الإماراتي في ليبيا من بوابة حفتر، وفي اليمن من خلال المجلس الانتقالي.

وفي حين تقف الحكومة السورية الجديدة أمام تحديات إعادة بناء الدولة، تظهر الضربات الإسرائيلية والتحريض الإماراتي كأكبر عقبتين أمام مشروع سوريا موحدة وآمنة. فهل تتحرك دمشق وحلفاؤها سريعًا لإغلاق هذه الثغرة قبل أن تتحول إلى بوابة تقسيم دائم؟

اقرأ أيضًا : السويداء تكسر العزلة.. انتشار أمني رسمي يُجهض مشروع التقسيم الإسرائيلي – الإماراتي