أثار قرار الرياض سحب قوات “درع الوطن” من معسكراتها في عدن ولحج، ثم إعادة تموضعها باتجاه العبر في حضرموت، موجة واسعة من التساؤلات حول دلالات هذه الخطوة التي تأتي بعد أيام من تمدد غير مسبوق للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في حضرموت والمهرة. 

ومع أن السعودية امتنعت عن إصدار توضيح رسمي، إلا أن مؤشرات الساحة اليمنية تكشف أن المملكة تواجه مأزقًا مركبًا ناتجًا عن سنوات من التداخل والتنافس داخل التحالف، وانحسار نفوذها لصالح أبوظبي.

1. لحظة انعطاف في الجنوب: لماذا الآن؟

يشير سحب قوات “درع الوطن” — التي أنشئت بقرار من رشاد العليمي وتدين بولائها للرياض — إلى تغيّر كبير في حسابات المملكة. 

فهذه القوات التي انتشرت سابقًا في عدن ولحج كانت تمثل الذراع العسكري السعودي الوحيد في الجنوب بعد تآكل نفوذ الحكومة الشرعية، إلا أن تحركات الانتقالي في حضرموت والمهرة وضعت السعودية أمام واقع جديد: الحليف الإماراتي يسيطر الآن على أهم المنافذ الحدودية مع المملكة نفسها.

السيطرة الإماراتية–الانتقالية شملت:

  • حضرموت الساحل والوادي
  • المنفذ الحدودي البري مع السعودية
  • أجزاء واسعة من المهرة
  • ممرات استراتيجية على بحر العرب وباب المندب عبر قوات طارق صالح

     

هذه التحولات جعلت الرياض في موقع الدفاع داخل ملف كانت هي من قادته منذ “عاصفة الحزم” عام 2015. واليوم، تجد نفسها عاجزة عن فرض وجود عسكري فعلي، بعد أن سمح الانتقالي — وفق مصادر يمنية — بمنع الوفد السعودي من التحرك في سيئون، ورفض انتشار “درع الوطن” في المناطق التي سيطر عليها.

2. رسالة سعودية إلى أبوظبي؟ أم اعتراف بالهزيمة؟

يقول الصحفي اليمني أحمد الشلفي إن الإجراءات السعودية الأخيرة — من إغلاق مطار عدن وإعادة فتحه، إلى سحب القوات من معاشيق ومطار عدن — هي رسائل مباشرة إلى أبوظبي، لكنها “رسائل بلا أدوات ضغط قوية”. فالإمارات، كما يؤكد، اعتادت منذ 2015 التقدم خطوة بعد أخرى دون أن تتراجع، بينما كانت السعودية تمتص الصدمات وتبحث عن تفاهمات سياسية مثل “اتفاق الرياض” في 2019.

ويذهب الشلفي إلى أن المملكة اليوم أمام ثلاثة خيارات صعبة:

  1. الانسحاب الكامل من اليمن وترك المشهد لليمنيين

     

  2. إنجاز تسوية مع الحوثيين — وهو خيار مكلف وقد يُقرأ كهزيمة سياسية
  3. دعم طرف يضمن السلام دون تقسيم اليمن — لكن من دون امتلاك حلفاء موثوقين على الأرض

وفي كل هذه السيناريوهات، تبقى الإمارات الطرف الأكثر تنظيمًا وقوة عبر “المجلس الانتقالي” و”قوات طارق صالح”.

3. صراع سعودي–إماراتي خرج إلى العلن

يرى المحلل السياسي أحمد الزرقة أن ما يجري اليوم هو تجليٌ متأخر لانهيار النفوذ السعودي نتيجة أخطاء متراكمة. فالمملكة — وفقه — سمحت لأبوظبي بالتمدّد داخل الجنوب وبناء قوتين عسكريتين (“الانتقالي” و“المقاومة الوطنية”)، بينما فشلت هي في بناء قوة مقابلة أو الحفاظ على حلفائها داخل الشرعية.

الأخطر — كما يقول الزرقة — أن السعودية أضعفت حزب الإصلاح الذي كان حليفها التقليدي، فقط لإرضاء أبوظبي والحوثيين في آن، ما جعلها بلا قاعدة سياسية أو عسكرية تعتمد عليها.

ويضيف أن “العليمي كان حصان طروادة داخل المجلس الرئاسي”، إذ سمح لقيادات المجلس المدعومين من الإمارات بملء فراغ السلطة، حتى بات المجلس نفسه مشلولًا ومنقسمًا أمام التطورات الأخيرة.

4. عاصفة الحزم… الدمار الذي دفع ثمنه اليمنيون

التحليل السياسي اليمني يكاد يجمع اليوم على أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لسياسات التحالف منذ 2015. فالسعودية والإمارات — عبر “عاصفة الحزم” — وعدتا اليمنيين بإعادة الشرعية وتحرير البلاد، لكن النتيجة كانت:

  • تفكك الدولة اليمنية

  • نشوء عشرات التشكيلات المسلحة

  • سيطرة الحوثيين على شمال اليمن

  • سيطرة الإمارات على الجنوب والسواحل

  • انقسام الشرعية وفقدانها أي نفوذ فعلي

وبينما استثمرت أبوظبي الحرب لبناء نفوذ دائم في الموانئ والمنشآت الاستراتيجية، غرقت السعودية في معارك مفتوحة على حدودها، لتجد نفسها اليوم أضعف تأثيرًا داخل اليمن من أي وقت مضى.

5. لماذا سحبت الرياض قواتها إذن؟ الدوافع الأساسية

أولًا: فقدان القدرة على فرض التوازن العسكري

بعد سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة، لم يعد للقوات السعودية مساحة للمناورة. سحب القوات كان اعترافًا بأن بقاءها في عدن ولحج لن يغير شيئًا، بل قد يدفع نحو صدام مباشر مع قوات مدعومة إماراتيًا.

ثانيًا: تأمين الحدود السعودية

انتقال “درع الوطن” إلى العبر يشير إلى رغبة الرياض في حماية مناطقها الحدودية، بعد أن باتت قوات الانتقالي على خط تماس مباشر مع المملكة.

ثالثًا: الضغط السياسي على أبوظبي

السحب المفاجئ يهدف لخلق فراغ أمني يحمّل الانتقالي مسؤوليته، بهدف دفع الإمارات إلى تفاوض جديد حول النفوذ والمناطق والحدود.

رابعًا: إعادة تقييم دور العليمي والمجلس الرئاسي

الرياض أدركت — متأخرة — أن المجلس الرئاسي أصبح أداة بيد الإمارات، وأن استمرارها في دعمه دون إصلاحات لن يعيد لها نفوذها المفقود.

6. إلى أين تتجه الرياض؟

رغم التصعيد الإعلامي والسياسي، يرى محللون أن المملكة لن تنجرّ إلى مواجهة مباشرة مع الإمارات في اليمن. لكنها أيضًا لن تقبل بتقسيم البلاد، لأن أول من سيدفع ثمنه هو أمنها القومي وحدودها الشرقية.

ومع سيطرة المجلس الانتقالي على المهرة وحضرموت، تقترب السعودية من لحظة الحقيقة:

إما أن تتخلى عن مشروع “الشرعية” الذي تبنته 10 سنوات، أو تعيد هندسة تحالفاتها داخل اليمن في مواجهة تمدد أبوظبي.

وفي كل الأحوال، يبقى اليمن — من جديد — ساحة لتصفية الحسابات بين الحليفين اللذين دمّرا البلاد باسم “عاصفة الحزم”… والآن يتصارعان على أطلالها.

اقرا أيضا :  قاضية أميركية ترفع القيود عن طالبة تركية مؤيدة لفلسطين بجامعة تافتس