في انتصار قضائي جديد يسلّط الضوء على تصاعد المواجهة داخل الجامعات الأميركية بين الأجهزة الحكومية والطلاب المؤيدين لفلسطين، أصدرت قاضية اتحادية في بوسطن قرارًا مهمًا يسمح لطالبة الدكتوراه التركية رميساء أوزتورك بالعودة إلى العمل داخل حرم جامعة تافتس، بعد أشهر من القيود المشددة التي فرضتها عليها إدارة الهجرة الأميركية ضمن حملة واسعة استهدفت الأصوات الطلابية المناصرة للقضية الفلسطينية.
القرار الذي أصدرته رئيسة قضاة المحكمة الجزئية دينيس كاسبر تضمن توجيهًا واضحًا لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة إدراج أوزتورك في قاعدة البيانات الرسمية الخاصة بتتبع الطلاب الأجانب (SEVIS)، وهي الخطوة التي تُمكّنها من استعادة أهلية العمل والتدريس داخل الجامعة، بعدما تُركت لأشهر بلا مصدر دخل ولا وضع قانوني يسمح لها بالاستمرار في مسيرتها الأكاديمية قبل التخرج.

سجل حُذف بطريقة “غير قانونية”
القاضية كاسبر خلصت في حكمها إلى أنّ وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) ألغت سجل أوزتورك في SEVIS “بطريقة غير قانونية”، وفي اليوم نفسه الذي اختُطفت فيه فعليًا على يد عناصر ملثمين بملابس مدنية في مارس/آذار الماضي، خلال وجودها في أحد شوارع ضاحية سومرفيل قرب بوسطن.
وحذف سجل الطالب الأجنبي من SEVIS يعني تلقائيًا حرمانه من العمل والدراسة معًا، باعتباره فقد وضعه القانوني، وهو ما اعتبرته المحكمة استخدامًا تعسفيًا لصلاحيات الهجرة بهدف معاقبتها بسبب نشاطها السياسي السلمي. وقد وصفت القاضية مبررات الحكومة بأنها “متغيرة وغير متسقة”، مؤكدة أن أوزتورك التزمت بالكامل بقواعد وجودها القانوني كطالبة.
أوزتورك عبّرت في بيان صحفي عن امتنانها للحكم، وقالت إنها تأمل ألا يتعرض أي طالب آخر لما واجهته من “ظلم”، في إشارة إلى شعورها بأن اعتقالها القياسي وحرمانها من وضعها القانوني كانا جزءًا من حملة سياسية تستهدف أنصار فلسطين داخل الجامعات.
اعتقال صادم… وانتقام سياسي
الواقعة التي لفتت الأنظار إلى قضيتها كانت مقطع الفيديو الذي وثّق لحظة اعتقالها، حيث ظهر رجال بملابس مدنية يمسكون بها بعنف داخل سيارة دون إبراز هويات رسمية، وهو مشهد أثار غضبًا واسعًا بين منظمات الحقوق المدنية والطلاب داخل جامعة تافتس وخارجها.
وبحسب الملف القضائي، فإن السبب الوحيد لإلغاء تأشيرتها الطلابية كان مقالة افتتاحية شاركت في كتابتها العام الماضي، انتقدت فيها ردّ جامعة تافتس على الحرب الإسرائيلية على غزة، معتبرة أن الجامعة التزمت بخطاب رسمي متحيز وتجاهلت الانتهاكات التي ترتكب بحق المدنيين الفلسطينيين.
ولم تُتهم أوزتورك بأي مخالفة قانونية، ولم تسجل الجامعة أي تجاوز في سلوكها الأكاديمي. فجاءت هذه الإجراءات لتكشف — بحسب محاميها — عن “استهداف سياسي مباشر”.
أوزتورك احتُجزت 45 يومًا في مركز احتجاز للمهاجرين بولاية لويزيانا، قبل أن يأمر قاضٍ اتحادي في فيرمونت بالإفراج عنها “فورًا”، معتبرًا احتجازها شكلاً من أشكال الانتقام السياسي وانتهاكًا صريحًا لحقها في حرية التعبير.
عودة للدراسة… لكن بوجود قيود تعسفية
بعد الإفراج عنها، عادت أوزتورك — وهي باحثة في مجال تنمية الطفل — إلى جامعة تافتس لاستكمال دراستها، لكن رفض الحكومة إعادة تفعيل سجلها في نظام الطلاب الأجانب جعلها غير قادرة على العمل كباحثة مساعدة أو الحصول على أي دعم وظيفي داخل الحرم الجامعي، وهو أمر أساسي لطلاب الدكتوراه في الولايات المتحدة.
هذا الوضع دفع فريقها القانوني إلى التقدم بطلب عاجل للمحكمة، مؤكدين أن الجامعة لا تستطيع قانونيًا توظيفها أو السماح لها بالعمل داخل المختبرات دون وجود سجل نشط في SEVIS، ما يهدد مستقبلها الأكاديمي خلال أشهر حساسة تسبق موعد التخرج.
القاضية كاسبر اعتبرت أن الحكومة لم تقدم أي تفسير منطقي لإلغاء سجلها، بل طرحت “مبررات متناقضة”، فمرة ادعت أن أوزتورك فقدت وضعها القانوني، ومرة أشارت إلى أسباب فنية تتعلق بنوعية التأشيرة، رغم اعترافها في الوقت نفسه بأن الطالبة استوفت جميع المتطلبات التنظيمية.
القضاء كملجأ أمام موجة القمع
قضية أوزتورك أصبحت مثالًا جديدًا على لجوء الطلاب المؤيدين لفلسطين في الولايات المتحدة إلى القضاء لحماية حقوقهم، في ظل تصاعد حملات الملاحقة الإدارية والأمنية داخل الجامعات منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة.
ففي الوقت الذي تُقدّم فيه الجامعات نفسها بوصفها مساحات للحوار الأكاديمي الحر، تتزايد اتهامات منظمات الحقوق المدنية بأن إدارة ترامب أطلقت موجة قمع تستهدف الطلاب الأجانب بشكل خاص، عبر سحب التأشيرات، وإلغاء السجلات القانونية، ومنع العمل، والتهديد بالترحيل.
وتكشف قضية رميساء أوزتورك أن القضاء الأميركي قادر — ولو بشكل محدود — على كبح هذا النوع من الانتهاكات، لا سيما عندما تبدو إجراءات الحكومة ذات طابع عقابي مباشر مرتبط بالخطاب السياسي.
وبينما تنتظر أوزتورك استكمال بقية خطوات إعادة تفعيل سجلها، يراقب طلاب كثر قضيتها عن قرب، معتبرين أن ما حدث لها ليس حادثًا فرديًا، بل إشارة إلى تضييق غير مسبوق على حرية التعبير داخل الجامعات الأميركية، خاصة حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الفلسطينيين.
وفي ختام قرارها، أكدت القاضية كاسبر مبدأً حاسمًا:
“لا يمكن للحكومة فرض عواقب لا تتفق مع الوضع القانوني لطالب ملتزم بالقواعد… مهما كانت دوافعها.”
بهذا الحكم، تكون أوزتورك قد حققت خطوة مهمة في معركتها القانونية، في وقت يتزايد فيه اعتماد الطلاب على القضاء كملاذ أخير لمواجهة ما يصفونه بـ”القمع السياسي المغلف بإجراءات إدارية”.
اقرأ أيضًا : انهيار غير مسبوق في مخزون الدواء بغزة وأزمة غاز الطهي تتفاقم وسط حصار خانق