في مشهد يعكس ذروة الاستخفاف بالقانون الدولي وبحياة المدنيين، خرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليتفاخر علنًا بتدمير أكثر من 2500 مبنى في قطاع غزة منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في اعتراف صريح بأن “الهدنة” لم تكن سوى غطاء لمواصلة سياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين.

اعتراف رسمي: الهدم بعد وقف إطلاق النار
كاتس، وفي منشور عبر منصة “إكس”، علّق على تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز استند إلى صور أقمار صناعية، زاعمة أن إسرائيل ما زالت تدمّر غزة رغم سريان الاتفاق. لكن الوزير الإسرائيلي لم ينكر ما ورد في التحقيق، بل أقرّ به وهنّأ جنوده، معتبرًا أن تدمير آلاف المباني “تنفيذ دقيق للأوامر”.
وأضاف كاتس أن الجيش الإسرائيلي دمّر منذ بدء وقف إطلاق النار أكثر من 2500 مبنى، شملت أحياء كاملة ومجمعات سكنية ومساحات زراعية، في تأكيد على أن آلة الهدم لم تتوقف لحظة واحدة.
“حتى آخر نفق”: ذريعة الإبادة الجماعية
وفي محاولة لتبرير هذه الجرائم، قال كاتس إن التدمير يأتي في إطار القضاء على “البنية التحتية الإرهابية تحت الأرض”، مشيرًا إلى أن ما جرى هو تنفيذ مباشر لتوجيهات أصدرها هو ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “حتى آخر نفق”.
غير أن هذا الخطاب، الذي تكرره سلطات الاحتلال منذ بدء الحرب، يتجاهل حقيقة أن الدمار طال أحياء مدنية مكتظة بالسكان، وأن الهدم جرى بعد سريان وقف إطلاق النار، ما يُسقط أي ادعاء بارتباطه بعمليات قتالية أو ضرورات عسكرية آنية.
صور الأقمار الصناعية تفضح الجريمة
تحقيق نيويورك تايمز، الذي استند إلى تحليل صور أقمار صناعية حديثة، أظهر أن أحياء كاملة في غزة تحولت إلى أرض خالية، رغم أنها كانت لا تزال قائمة جزئيًا خلال الحرب. ولم يقتصر الدمار على المباني المتضررة سابقًا، بل شمل منشآت لم تكن مدمرة بالكامل.
وأبرز التحقيق أن الغالبية العظمى من المباني التي هُدمت تقع داخل مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، التي تشكّل أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، مع تسجيل حالات تدمير لمبانٍ خارج هذه المناطق أيضًا، ما يكشف عن توسع ممنهج في سياسة النسف والهدم.
حماس: تفاخر كاتس اعتراف بجريمة مكتملة الأركان
في ردّ قوي، قال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم إن تفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي بتدمير مئات المباني منذ وقف إطلاق النار يمثل “استهتارًا غير مسبوق في التاريخ الحديث بالقوانين الدولية”.
وأضاف قاسم أن ما يجري في غزة هو حرب إبادة جماعية وعمليات تطهير عرقي مكتملة الأركان، وباعتراف علني من أحد أبرز قادة منظومة الاحتلال، مؤكدًا أن هذه التصريحات تستوجب محاسبة حقيقية لكل من يقف خلف هذه الجرائم.
هدنة منتهكة وأرقام صادمة
رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار، واصلت إسرائيل خروقها الميدانية، من خلال نسف منازل الفلسطينيين واستهداف تجمعات مدنية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها. في المقابل، أكدت حركة حماس مرارًا التزامها بالاتفاق، ودعت المجتمع الدولي إلى إلزام الاحتلال بتنفيذ بنوده.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقًا لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، أسفرت عن استشهاد وإصابة واعتقال 1760 فلسطينيًا منذ سريان الاتفاق، في أرقام تكشف أن “الهدنة” تحولت عمليًا إلى مرحلة جديدة من إدارة القتل والهدم.
أبعاد سياسية وقانونية: من الردع إلى المحاسبة
سياسيًا، تعكس تصريحات كاتس عقلية استعمارية ترى في التدمير الجماعي وسيلة ردع ورسالة للداخل الإسرائيلي، حتى وإن كان الثمن تعميق العزلة الدولية. أما قانونيًا، فإن الاعتراف العلني بتدمير آلاف المباني بعد سريان وقف إطلاق النار يعزز مسارات الملاحقة الدولية، ويضع قادة الاحتلال أمام مسؤولية مباشرة بموجب اتفاقيات جنيف.
خلاصة: إبادة تحت غطاء الهدنة
لا يمكن قراءة تفاخر كاتس إلا كدليل إضافي على إجرام الاحتلال واستمراره في سياسة الإبادة حتى في ظل اتفاق وقف إطلاق النار. وبينما تُمحى أحياء غزة من الخريطة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه الاعترافات الصريحة إلى محاسبة دولية حقيقية، أم يستمر الصمت الذي شجّع الاحتلال على تحويل “الهدنة” إلى محطة جديدة في سجل جرائمه؟
اقرأ أيضًا : تطبيع المناهج الإماراتية مع الاحتلال.. حين تتحول التربية إلى شراكة مع الإبادة