في خطوة وصفتها وسائل الإعلام الأمريكية والعبرية بـ”التاريخية”، يستعد السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، مايك هاكابي، لزيارة غير معلنة مسبقاً إلى مصر، وهي الأولى من نوعها منذ عقود يقوم بها سفير أمريكي معتمد لدى تل أبيب. وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة الذي خلّف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية عشرات الشهداء.
التحرك المفاجئ يعكس ـ بحسب مراقبين ـ إدراك واشنطن لتزايد الهوة بين القاهرة وتل أبيب، خصوصاً في ظل خطاب حاد أطلقه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال قمة الدوحة الطارئة، حين وصف إسرائيل بأنها “عدو” وحذّر من أن استمرار “القتل الممنهج والتجويع” في غزة يهدد الاستقرار الإقليمي برمته.

أهداف الزيارة: محاولة أمريكية لرأب الصدع
بحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن الزيارة تهدف إلى “معالجة التوترات بين إسرائيل ومصر” ومحاولة إقناع القاهرة بقبول الخطة الأمريكية التي طرحها ترامب في خطابه أمام قادة عرب وإسلاميين في نيويورك نهاية سبتمبر. وتتضمن الخطة ـ التي أبدى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إشادة حذرة بها واصفاً إياها بـ”الجيدة” ـ عدة بنود رئيسية، منها:
- وقف إطلاق نار مؤقت يمتد لأسابيع مقابل الإفراج عن 48 أسيراً إسرائيلياً بين أحياء وقتلى.
- فتح الباب أمام تدفق مساعدات إنسانية أكبر إلى قطاع غزة.
- انسحاب قوات الاحتلال من ممر فيلادلفيا الحدودي مع سيناء.
- رصد ميزانية ضخمة لإعادة إعمار غزة تُقدّر بـ53 مليار دولار، مع تعهّد بعدم التهجير القسري.
- مشاركة قوات عربية في حفظ الأمن، ما يفتح باباً لنقاشات حول هوية هذه القوات ودورها.
الولايات المتحدة تراهن على أن مصر ستلعب دور الوسيط الرئيسي في تمرير هذه الخطة، خاصة أن القاهرة تتحكم في معبر رفح وتملك شبكة علاقات مع مختلف الفصائل الفلسطينية.
تناقض الخطاب المصري: بين التصعيد الإعلامي والانبطاح العملي
رغم الخطاب الحاد الذي تبناه السيسي في قمة الدوحة، إلا أن مراقبين يرون أن النظام المصري يبعث رسائل مزدوجة: فمن جهة يسعى لتثبيت شرعيته عربياً عبر تصريحات نارية ضد الاحتلال، ومن جهة أخرى يترك الباب مفتوحاً أمام تفاهمات مع واشنطن وتل أبيب تضمن له استمرار الدعم المالي والسياسي.
تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدت انعكاساً لهذا التناقض، إذ حذّر من أن النظام الدولي “في حالة سيولة غير مسبوقة” وأن آلياته “تفقد المصداقية” نتيجة عجزه عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية، لكنه في الوقت نفسه أعاد التأكيد على أن “السلام هو خيار مصر الاستراتيجي”، وهو الخطاب التقليدي الذي ينسجم مع التزامات كامب ديفيد.
قراءة في توقيت التحرك الأمريكي
زيارة هاكابي لا يمكن فصلها عن سياقين متوازيين:
-
تصعيد غزة: استمرار المجازر الإسرائيلية وارتفاع أعداد الشهداء يولّد ضغوطاً شعبية على النظام المصري، ما يدفع واشنطن إلى التدخل لاحتواء أي انزلاق قد يعيد القاهرة إلى مربع التوتر مع تل أبيب.
- البيت الأبيض والانتخابات: ترامب يريد أن يظهر بمظهر القائد الذي يملك “خطة سلام” توازن بين حماية أمن إسرائيل وضمان مشاركة الأنظمة العربية في صياغة المستقبل الفلسطيني. لذا تأتي الزيارة كمقدمة لمسرح سياسي يهيئ الأجواء للقاء نتنياهو – ترامب.
موقف القاهرة: بين الرفض الشعبي والإذعان الرسمي
الشارع المصري لا يزال يرى في الاحتلال عدواً مباشراً، خاصة بعد سنوات من الحصار على غزة والممارسات الوحشية ضد الفلسطينيين. لكن السيسي، الذي يعتمد على الدعم الأمريكي والإسرائيلي لتثبيت حكمه، يجد نفسه محاصراً بين ضغوط داخلية وغضب شعبي، وبين حسابات أمنية واقتصادية تجعل من الصعب عليه رفض الخطة الأمريكية بشكل مطلق.
الحديث عن انسحاب إسرائيلي من ممر فيلادلفيا مثلاً يحمل أبعاداً حساسة للأمن المصري، لكن إشراك قوات عربية في حفظ الأمن قد يتحول عملياً إلى إدخال قوات “بديلة” تنفذ أجندات الاحتلال تحت غطاء عربي.
خلاصة تحليلية
زيارة السفير الأمريكي في “إسرائيل” إلى مصر بعد عقود من الانقطاع ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل خطوة محسوبة لإعادة هندسة العلاقة الثلاثية (واشنطن – القاهرة – تل أبيب) في لحظة إقليمية ملتهبة. القاهرة تُظهر في العلن غضباً من الاحتلال وتصفه بالعدو، لكنها في الواقع تنخرط في مفاوضات تحت الطاولة، ما يكشف حجم الانبطاح السياسي الذي يمارسه السيسي ونظامه.
الرسالة الأمريكية واضحة: واشنطن تريد من مصر أن تتحول إلى حجر الزاوية في تمرير “صفقة غزة” الجديدة، بينما يبقى الفلسطينيون تحت القصف والحصار. وبينما يتحدث السيسي عن “السلام كخيار استراتيجي”، فإن الواقع يشي بأنه يراهن على مقايضة الدم الفلسطيني ببقائه في الحكم.
اقرأ أيضًا : BBC تحت المجهر: فضيحة سحب عرض عمل من منتج مصري بذريعة “معاداة السامية”