أعلن وزير العدل السوداني الدكتور معاوية عثمان أن السودان سيقدم غدًا في محكمة العدل الدولية بلاهاي ملفًا متكاملًا يتضمن “أدلة دامغة” على تورط دولة الإمارات في دعم ميليشيات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية في غرب السودان وولاية الجزيرة، لا سيما مجزرة “ود النورة” الشهيرة.

الإعلان الرسمي الذي جاء في مؤتمر صحفي اليوم بالعاصمة الخرطوم، يمثل تحولًا جذريًا في تعاطي السودان مع التدخلات الخارجية، خاصة تلك التي دعمت أحد أطراف النزاع الدموي الذي اجتاح البلاد منذ أبريل 2023، وكذلك يتزامن مع بدء محاكمة النظام الإماراتي في محكمة العدل الدولية.

الملف السوداني في لاهاي: الأدلة وأبعادها القانونية

بحسب ما صرح به وزير العدل السوداني، فإن فريقًا قانونيًا متخصصًا عمل خلال الشهور الماضية على جمع شهادات موثقة وصور أقمار صناعية وتقارير حقوقية من منظمات محلية ودولية تثبت تورط الإمارات في إمداد ميليشيا الدعم السريع بالسلاح الثقيل والطائرات المسيّرة والعربات العسكرية، فضلًا عن تمويل مرتزقة أجانب نقلوا من ليبيا ومالي وتشاد للقتال إلى جانب هذه الميليشيات. 

وأكد الوزير أن الأدلة تشمل عمليات رصد استخباراتي لتدفقات السلاح عبر الموانئ الليبية التي تشرف عليها الإمارات، إضافة إلى وثائق مالية لتحويلات ضخمة بلغت عشرات الملايين من الدولارات لمصلحة قادة الدعم السريع.

اللافت أن الملف يتضمن توثيقًا مفصلًا لمجزرتين مروعتين اعتبرهما الوزير بمثابة “نقطة اللاعودة”: الأولى، مجازر غرب دارفور التي ارتكبت ضد المدنيين العزل من قبائل المساليت والزغاوة، والتي تضمنت حرق قرى واغتصاب جماعي وقتل ممنهج على الهوية. 

والثانية، مجزرة “ود النورة” في ولاية الجزيرة التي راح ضحيتها أكثر من 100 مدني في ساعات معدودة، بعد أن اقتحمت قوات الدعم السريع القرية ونفذت عمليات قتل جماعي ونهب.

الدعم الإماراتي: دور فاعل في تغذية آلة الحرب

منذ بدء النزاع في السودان بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم يكن خافيًا الدعم الخارجي الذي تلقته الأطراف المتحاربة. 

لكن الدور الإماراتي في دعم حميدتي وميليشياته اتخذ طابعًا مركزيًا وأكثر تأثيرًا. وقد أشارت عدة تقارير صحفية واستخباراتية غربية إلى أن الإمارات، التي سعت لإيجاد وكلاء على الأرض في منطقة شرق أفريقيا، وجدت في الدعم السريع ضالتها، نظرًا لطموحاته الانفصالية واستعداده لتنفيذ أجندات خارجية مقابل المال والسلاح.

وتؤكد التقارير أن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة من طراز “وينغ لونغ” صينية الصنع، ونظمت تدريبات عسكرية في قواعد بإريتريا وليبيا، تحت إشراف ضباط إماراتيين. 

كما قدمت الدعم اللوجستي عبر ممرات تهريب السلاح الممتدة من الساحل الليبي وحتى مناطق النزاع في دارفور وكردفان. علاوة على ذلك، يشتبه في استخدام الإمارات شركات أمنية خاصة لجلب مرتزقة قاتلوا إلى جانب الدعم السريع، في مشهد يعيد للأذهان تدخلاتها في اليمن وليبيا.

محاكمة الإمارات: انعطافة قانونية وسياسية

بالتوجه إلى لاهاي، لا يسعى السودان فقط لإدانة الإمارات قانونيًا، بل يرغب في كسر حاجز الصمت الدولي والتواطؤ الإقليمي مع الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبت على أراضيه.

فالمحكمة الدولية وإن كانت لا تملك سلطة تنفيذ مباشرة على الدول، إلا أن إحالة قضية بهذا الحجم يمكن أن تفتح الباب أمام فرض عقوبات دولية أو حتى مذكرات توقيف ضد مسؤولين إماراتيين متورطين في هذه العمليات.

ويقول مراقبون إن الخطوة السودانية تهدد بكشف شبكة معقدة من المصالح الجيوسياسية التي شكلت مسرح الصراع السوداني، خصوصًا أن الإمارات لم تكن الفاعل الوحيد، بل أحد أبرز الأطراف التي أرادت تحويل السودان إلى ساحة نفوذ جديد في القارة.

إلا أن فضح هذا الدور أمام محكمة دولية قد يحرج حلفاء أبو ظبي في الغرب، الذين يواصلون غض الطرف عن دورها التخريبي في أكثر من ساحة.

ما بعد لاهاي.. هل تبدأ العدالة مسارها؟

الأنظار تتجه الآن نحو جلسات محكمة لاهاي غدًا، حيث سيُعرض الملف السوداني، وستُفحص أدلته من قبل هيئة المحكمة الدولية. 

وبينما يشكك البعض في فعالية الإجراءات الدولية في محاسبة دولة تملك نفوذًا ماليًا ودبلوماسيًا كالإمارات، يرى آخرون أن هذه الخطوة تمثل بداية لتحول جذري في السياسة السودانية تجاه التدخلات الخارجية، ورسالة واضحة بأن الدم السوداني لن يكون ورقة مساومة.

العدالة وإن تأخرت، قد تبدأ مسارها من لاهاي. والسودانيون، الذين اكتووا بنار الحرب ودفعوا ثمن الأطماع الإقليمية، يترقبون أول شعاع أمل في أن يُحاسب الجناة – محليين كانوا أو داعمين من خلف الحدود.

اقرأ أيضًا: الجيش السوداني يتقدم غرب أم درمان ويستعيد “معسكر النسور” وميليشيات النظام الإماراتي تتكبد خسائر فادحة