تتواصل المواجهات العنيفة في السودان بين الجيش النظامي وميليشيات الدعم السريع في محيط مدينة أم درمان، وسط تصعيد عسكري لافت من جانب القوات المسلحة السودانية التي أعلنت سيطرتها على معسكر “النسور” الاستراتيجي غربي العاصمة، فيما يشير مراقبون إلى أن هذا التقدم يأتي في إطار استعادة زمام المبادرة بعد شهور من القتال العنيف، لا سيما عقب استعادة الخرطوم من قبضة المليشيات المدعومة من النظام الإماراتي.
وتسلط هذه التحركات الضوء على تراجع الدور الإماراتي الداعم لقوات الدعم السريع، وخصوصًا بعد فشل مخطط السيطرة على العاصمة، مما ساهم في إضعاف المليشيا وعزلها سياسيًا وميدانيًا.
“النسور” بيد الجيش.. معركة محورية في خارطة السيطرة غرب أم درمان
أفاد مصدر عسكري بأن الجيش السوداني تمكن من السيطرة على “معسكر النسور”، أحد أبرز المواقع العسكرية الواقعة غرب سوق ليبيا بأم درمان، بعد مواجهات عنيفة مع قوات الدعم السريع استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة من الطرفين.
ويكتسي هذا المعسكر أهمية استراتيجية كونه يشرف على الطرق المؤدية إلى سوق قندهار، أحد آخر معاقل قوات الدعم السريع في أم درمان، ما يجعله نقطة انطلاق لأي هجوم مستقبلي لتطهير المدينة من المليشيات بشكل كامل.
الهجوم لم يتوقف عند معسكر النسور فحسب، إذ وسّعت القوات المسلحة نطاق عملياتها باتجاه ضاحية الصالحة جنوب المدينة، والتي تُعتبر من أكبر معاقل الدعم السريع وتضم معسكرات ومخازن أسلحة تابعة لها.
ويشير هذا التقدم إلى تحول نوعي في ميزان القوة الميدانية، خصوصاً في ظل الخسائر التي تتكبدها المليشيا منذ فقدانها السيطرة على العاصمة الخرطوم.
ضحايا مدنيون وتطهير عرقي ممنهج
في موازاة العمليات العسكرية، يستمر سقوط الضحايا المدنيين في مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث أعلن ناطق باسم قبيلة الجموعية -التي تقطن جنوب غربي أم درمان- عن مقتل نحو 94 من أبناء القبيلة خلال أسبوع، جراء اعتداءات مباشرة نفذتها قوات الدعم السريع، متهمًا إياها بارتكاب “مجازر ممنهجة” بحق المدنيين، بما في ذلك عمليات قتل جماعي داخل البيوت دون تمييز أو مبرر.
وعبّر الناطق عن غضب القبيلة وسكان المنطقة قائلًا إن الضحايا “قُتلوا غدرًا وهم في منازلهم، بلا ذنب ولا جريرة”.
في السياق ذاته، أصدرت منظمة “محامو الطوارئ” بيانًا رصدت فيه مقتل أكثر من 80 مدنيًا في نفس المنطقة، محذرة من كارثة إنسانية متصاعدة مع استمرار الاعتداءات وتضييق الخناق على السكان من قبل عناصر الدعم السريع.
وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد عمليات التصفية الجسدية والتهجير القسري، في ظل صمت المجتمع الدولي عن الجرائم التي ترتكبها المليشيا منذ اندلاع النزاع.
النزوح الجماعي نتيجة هذه الانتهاكات بلغ ذروته الجمعة الماضية، حيث أكدت مصادر عسكرية أن نحو 3 آلاف مدني فرّوا إلى منطقة جبل أولياء جنوب الخرطوم، هربًا من القصف والقتل والاعتقالات العشوائية.
فشل إماراتي وارتباك في دعم المليشيات بعد سقوط الخرطوم
مصادر دبلوماسية تحدثت عن فتور في العلاقة بين أبوظبي وقادة المليشيا، بعد فشل مخطط السيطرة على العاصمة وتزايد الضغوط الدولية على الإمارات بسبب دورها المريب في تأجيج الصراع الداخلي في السودان.
كما أن استعادة الجيش للخرطوم، والتقدم الحاصل الآن في أم درمان، وجه ضربة قوية لكل مشاريع الهيمنة الإقليمية التي كانت تحاول بعض القوى الخارجية فرضها على السودان عبر بوابة “المرتزقة” والمليشيات.
الجيش السوداني من جانبه بات يدرك أن كسب المعركة لا يتعلق فقط بالميدان، بل أيضًا بالمعركة السياسية والإعلامية، ولذلك يُكثف من ظهوره في وسائل الإعلام لنفي الاتهامات والتأكيد على التزامه بحماية المدنيين.
وقد صرّح مصدر عسكري للجزيرة بأن “حسم اعتداءات مليشيا الدعم السريع على المدنيين بات قريبًا”، مؤكدًا أن هناك “جيوبًا محدودة” للدعم السريع جنوب وغرب أم درمان يجري العمل على تطويقها بالكامل.
السودان في مفترق طرق.. بين التحرير الكامل أو تدويل الأزمة
التحولات الجارية غرب أم درمان تمثل علامة فارقة في مسار الحرب الدائرة في السودان. ففي الوقت الذي يُحرز فيه الجيش تقدمًا ملحوظًا على الأرض، تزداد الأدلة على انهيار منظومة الدعم السياسي واللوجستي لقوات الدعم السريع، خاصة مع انكشاف الدور الإماراتي وتنامي الإدانات الدولية لانتهاكات المليشيا.
ومع ذلك، فإن مصير المعركة لا يزال مرهونًا بقدرة الجيش على الحفاظ على هذا الزخم العسكري، وتقديم نموذج بديل يحمي المدنيين ويوحد البلاد تحت سلطة مركزية قادرة على فرض القانون.
ويبقى التحدي الأكبر هو إعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية المنهكة بالحرب والانقسامات، وتفكيك البنى الموازية التي نشأت بدعم خارجي من النظام الإماراتي وعلى رأسها قوات الدعم السريع.
فهل يكون هذا التقدم بداية النهاية لأخطر مليشيا في تاريخ السودان الحديث؟ أم أن الأزمة ستأخذ منحى أكثر تعقيدًا نحو التدويل؟ الأيام القادمة ستحدد وجهة البوصلة.