يشهد إقليم كردفان تصعيدًا عسكريًا متسارعًا يضع السودان أمام فصل جديد من الحرب المفتوحة، في وقت تتعالى فيه الدعوات الدولية لوقف القتال، وسط اتهامات متجددة لميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم واسعة بحق المدنيين، ودورٍ إماراتي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أبرز العوامل المؤجِّجة للصراع.

في الميدان، قال مصدر عسكري في الجيش السوداني إن طائرات مسيّرة نفذت ضربات دقيقة استهدفت مواقع ميليشيا قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية–جناح الشمال، في منطقتي الفراقل والحاجز قرب مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان. وتزامن ذلك مع إعلان الجيش إسقاط مضادات أرضية مسيّرتين تابعتين للدعم السريع فوق مدينة الأبيّض، عاصمة شمال كردفان، في مؤشر على اتساع رقعة المواجهة الجوية واعتماد الطرفين بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة.

في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة برنو شرقي مدينة كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان، في خطوة تُنذر بتعقيد المشهد العسكري وتؤكد أن الإقليم بات ساحة اشتباك مركزية بين طرفي الحرب. ويأتي هذا التصعيد ضمن معارك متزايدة منذ أسابيع، ترافقت مع تحذيرات أممية من تدهور إنساني متسارع وارتفاع غير مسبوق في المخاطر التي تهدد المدنيين.

كردفان.. جغرافيا الحرب ومفصل الصراع
تكتسب كردفان أهمية استراتيجية مضاعفة، إذ تضم ثلاث ولايات غنية بالنفط والذهب والأراضي الزراعية، وتشكل حلقة وصل حيوية بين مناطق سيطرة الجيش في الشمال والشرق والوسط، وإقليم دارفور الذي باتت ميليشيا الدعم السريع تفرض نفوذًا واسعًا عليه منذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. هذا الموقع جعل الإقليم هدفًا مباشرًا لمحاولات التمدد والسيطرة، ما حوّل مدنه وبلداته إلى مسارح قتال مفتوحة.

وقبل أيام، حذّر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من تصاعد الأخطار على المدنيين مع زيادة حدة الأعمال العدائية في كردفان، مؤكدًا أن الوضع “يتدهور بسرعة” وأن موجات نزوح جديدة بدأت بالفعل. وأفاد المكتب بنزوح أكثر من 1700 شخص خلال أيام قليلة من بلدات عدة في جنوب كردفان، في مشهد يعكس هشاشة الأوضاع الإنسانية وغياب أي ضمانات لحماية السكان.

جرائم الدعم السريع.. سجل دموي متواصل
لا ينفصل التصعيد العسكري عن سجل طويل من الانتهاكات المنسوبة لميليشيا الدعم السريع، التي تواجه اتهامات موثقة بارتكاب جرائم قتل خارج نطاق القانون، وعمليات نهب ممنهج، وتهجير قسري، إضافة إلى استهداف القرى والمخيمات والبنية التحتية المدنية، خصوصًا في دارفور وكردفان. وقد أدت هذه الممارسات إلى تعميق الكارثة الإنسانية، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح أو اللجوء، في ظل شحّ الغذاء وانتشار المجاعة والأوبئة، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية.

هدنة إنسانية على الطاولة
سياسيًا، دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى التوصل لهدنة إنسانية في السودان، معتبرًا أن العام الجديد يشكل فرصة سانحة لذلك. وأوضح أن الهدف الفوري لواشنطن هو وقف الأعمال القتالية بما يسمح للمنظمات الإنسانية بإيصال المساعدات، مشددًا على ضرورة استخدام النفوذ الدولي للضغط على طرفي الصراع. وأضاف أن الأعياد المقبلة قد تشكل نافذة مناسبة لاتفاق مؤقت يخفف من معاناة المدنيين.

وقال روبيو إن دولًا خارجية تواصل تزويد الطرفين بالسلاح، مع تركيز خاص على الشحنات التي تصل إلى ميليشيا الدعم السريع، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الدعم هو ما يطيل أمد الحرب. وأكد أن بلاده أجرت محادثات مع أطراف النزاع، وأن وقف الدعم الخارجي شرط أساسي لأي تهدئة حقيقية ومستدامة.

الإمارات ودورها المثير للجدل
في قلب هذا المشهد، تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها طرفًا متهمًا بتأجيج الحرب، عبر دعم غير مباشر لميليشيا الدعم السريع سياسيًا ولوجستيًا، وفق تقارير وتحقيقات صحفية دولية. ويُنظر إلى هذا الدور باعتباره امتدادًا لسياسات إقليمية تسعى إلى توظيف الميليشيات لتحقيق نفوذ جيوسياسي، على حساب استقرار الدول ووحدة شعوبها، ما يفاقم النزاع ويُعقّد أي مساعٍ للسلام.

بين الوعود الأميركية والواقع الميداني
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي عزمه التدخل لوقف الحرب في السودان، غير أن تجارب سابقة تجعل كثيرين يشككون في قدرة واشنطن على تحويل التصريحات إلى ضغط فعلي، ما لم يُقترن ذلك بإجراءات صارمة لوقف تدفق السلاح ومعاقبة الجهات الداعمة للميليشيات.

حرب بلا أفق
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، قُتل عشرات الآلاف، وتشرد نحو 13 مليون شخص، بينما تتوسع رقعة المجاعة والانهيار الاقتصادي. ومع احتدام المعارك في كردفان، يبدو أن السودان يقف على حافة كارثة أشمل، ما لم تُترجم الدعوات الدولية إلى خطوات عملية تُنهي دور الأطراف المؤججة للصراع، وتضع حدًا لجرائم الميليشيات، وتفتح نافذة أمل حقيقية أمام شعب أنهكته الحرب.

اقرأ أيضًا : بعد تمويل الإمارات الانقلاب عليه… عمران خان يتعرّض للتعذيب بالحبس الانفرادي