تتفاقم المأساة الإنسانية في السودان مع اتساع رقعة النزوح الداخلي، حيث تحوّلت مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى ملاذٍ قاسٍ لعشرات الآلاف من الفارّين من جحيم القتال الدائر بين الجيش السوداني وميليشيا قوات الدعم السريع، في واحدة من أسوأ أزمات النزوح التي عرفتها البلاد منذ عقود. ففي مخيمات النزوح المنتشرة على أطراف المدينة، وعلى رأسها مخيم المكي، تتجسّد يوميًا صورة الانهيار الكامل للدولة، وتنكشف الكلفة الحقيقية لحربٍ غذّتها التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها الدور الإماراتي الداعم للميليشيات المسلحة.

نزوح بلا أفق ومعاناة بلا نهاية

النازحون الذين وصلوا إلى الأُبيّض قادمون من مناطق متعددة في ولايات كردفان، بعد أن أجبرتهم الاشتباكات العنيفة، وعمليات القصف، وحملات النهب المنظم، على ترك قراهم ومدنهم دون أي متاع يُذكر. كثيرون منهم قطعوا مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، حاملين أطفالهم وما تبقى من حياتهم فوق أكتاف منهكة. ومع وصولهم إلى المخيمات، اصطدموا بواقعٍ لا يقل قسوة عمّا فرّوا منه.

الخيام المهترئة لا تقي من برد الشتاء ولا من حرارة الصيف، والأغطية نادرة، والمواد الغذائية شحيحة إلى حدّ باتت فيه وجبة واحدة في اليوم حلمًا بعيد المنال لكثير من الأسر. أما المياه الصالحة للشرب، فتعتمد على صهاريج محدودة لا تكفي لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، ما يفتح الباب أمام انتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

الشتاء يفضح هشاشة الاستجابة الإنسانية

مع دخول فصل الشتاء، ازدادت أوضاع النازحين سوءًا. الأمطار، رغم قلتها، حوّلت أرض المخيمات إلى طين لزج، تسرب إلى داخل الخيام، وأتلف ما تبقى من فرش وأغطية. وفي ظل غياب شبه كامل للخدمات الصحية، باتت أمراض الجهاز التنفسي، وسوء التغذية، والإسهالات، تهديدًا يوميًا لحياة الآلاف.

النساء في المخيمات يتحملن العبء الأكبر، إذ يجدن أنفسهن مضطرات للبحث عن الماء والحطب لمسافات بعيدة، في بيئة غير آمنة، بينما يعاني الأطفال من انقطاع كامل عن التعليم، ليكبر جيلٌ جديد في قلب الحرب والحرمان.

حرب بالوكالة… ويد الإمارات في الخراب

لا يمكن فصل هذا المشهد الإنساني القاتم عن السياق السياسي والعسكري الأوسع للحرب في السودان. فميليشيا قوات الدعم السريع، التي تُتهم على نطاق واسع بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، من قتل وتهجير ونهب، لم تكن لتتحول إلى هذا الوحش العسكري لولا الدعم الخارجي الذي حظيت به، وعلى رأسه الدعم القادم من الإمارات العربية المتحدة.

تقارير وتحقيقات متعددة أشارت إلى دور إماراتي في تمويل وتسليح هذه الميليشيا، ضمن سياسة إقليمية تقوم على تفكيك الدول الهشة، وبناء نفوذ عبر وكلاء محليين، ولو كان الثمن تمزيق المجتمعات وإغراقها في الفوضى. وفي حالة السودان، انعكست هذه السياسة بشكل مباشر على المدنيين، الذين يدفعون اليوم ثمن صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.

الأُبيّض… مدينة على حافة الانهيار

مدينة الأُبيّض نفسها، التي كانت يومًا مركزًا تجاريًا وحضريًا مهمًا في إقليم كردفان، باتت عاجزة عن استيعاب هذا العدد الضخم من النازحين. البنية التحتية المتهالكة، وارتفاع الأسعار، ونقص الوقود والخبز، كلها عوامل زادت من الضغط على السكان المحليين، وخلقت توترات اجتماعية مكتومة قد تنفجر في أي لحظة.

وفي ظل غياب دور فعّال للسلطات، وانشغال الأطراف المتحاربة بمواصلة القتال، تُترك المخيمات لمصيرها، معتمدّة على مبادرات فردية محدودة، أو مساعدات متقطعة لا ترقى إلى حجم الكارثة.

كارثة إنسانية مفتوحة على الأسوأ

ما يحدث في مخيمات النزوح بمدينة الأُبيّض ليس مجرد أزمة طارئة، بل هو نتيجة مباشرة لمسار طويل من عسكرة السياسة، وتدويل الصراع، وتحويل السودان إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي. ومع استمرار الدعم الخارجي لميليشيا الدعم السريع، واستمرار الحرب بلا أفق سياسي واضح، تبدو معاناة النازحين مرشحة لمزيد من التفاقم.

في النهاية، تكشف مخيمات الأُبيّض حقيقة الحرب في السودان: حرب لا تُدار لصالح الشعب، بل على حسابه. وبين خيمةٍ ممزقة وطفلٍ جائع، يظهر السؤال الأكبر: إلى متى سيظل السودانيون يدفعون ثمن مشاريع خارجية لا ترى في بلادهم سوى ساحة نفوذ، ولا في شعبهم سوى أرقام في تقارير النزوح؟

اقرأ أيضا : ما هي «الأشرطة الحمراء»؟ حملة رقمية عالمية تفضح إجرام الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين