في جريمة جديدة تعكس وحشية الممارسات الجارية في السودان، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل الطبيب محمد عبد الرؤوف حسين تحت التعذيب في أحد مقرات “قوات الدعم السريع” التي يتزعمها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بعد نحو خمسة أشهر من اعتقاله من منزله بحي الطائف شرق الخرطوم.
وتُعد هذه الحادثة امتداداً لسلسلة جرائم ممنهجة تُرتكب بحق الكوادر الطبية، في ظل حرب أهلية مدمرة تُغذّى خارجيًا، وتحديدًا من الإمارات العربية المتحدة، بحسب منظمات حقوقية وتقارير دولية.

جريمة تعذيب حتى الموت.. في الظلّ
في 9 يناير/كانون الثاني 2025، اختطفت قوة من الدعم السريع الطبيب محمد عبد الرؤوف حسين من منزله، واقتادته إلى معتقلٍ في منطقة الرياض شرقي العاصمة.
لأشهر طويلة، ظل مصيره مجهولًا حتى أُبلغت عائلته قبل أيام بخبر مقتله تحت التعذيب في ذات الشهر الذي اعتقل فيه، ما أحدث صدمة في صفوف الأطباء والرأي العام، خصوصاً مع تكرار النمط ذاته من الجرائم في المعتقلات التي تديرها قوات “حميدتي”.
شبكة أطباء السودان، التي طالما وثّقت الانتهاكات ضد القطاع الصحي، عبّرت عن أسفها العميق لمقتل عبد الرؤوف، مؤكدة أن انتهاكات الدعم السريع بحق الأطباء أصبحت منهجًا متكررًا، يشمل الاعتقال، التعذيب، والقتل خارج نطاق القانون.
كما دعت الشبكة المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية إلى الضغط الفوري والمكثف للإفراج عن الكوادر الطبية المحتجزة في ولايات دارفور وكردفان، حيث لا يزال العشرات في قبضة الدعم السريع دون محاكمة أو تهمة.
الكوادر الطبية في مرمى النار
حادثة مقتل عبد الرؤوف ليست سوى واحدة من جرائم متكررة بحق الأطباء السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
فقد أعلنت شبكة أطباء السودان الأسبوع الماضي عن مقتل الطبيبة مودة رحمة الله في قصف استهدف مستشفى المجلد بولاية غرب كردفان، حيث كانت تتمركز قوة من الدعم السريع داخله. وبحسب الشبكة، فإن الجيش السوداني نفّذ القصف رغم تحذيرات متكررة بعدم استهداف المرافق الصحية، خصوصًا أن المستشفى يُعد الوحيد العامل في المنطقة المنكوبة.
وفي مارس الماضي، لقي الطبيب حازم عبد الله حتفه تحت التعذيب في ولاية الجزيرة، كما اعتقلت قوات “حميدتي” الطبيب مالك الأمين من مقر عمله في ولاية شمال كردفان، في مشهد يتكرر باستمرار في ظل فوضى أمنية عارمة.
حتى الآن، لا توجد حصيلة رسمية بعدد الكوادر الطبية التي قتلت أو اختطفت أو اعتقلت، لكن التقارير المحلية والدولية تؤكد أن ما يجري هو استهداف ممنهج لكل من يقدم خدمة إنسانية أو طبية، ضمن سياسة ترهيب وتجويع وانهيار متعمّد للبنية التحتية الصحية.
دور إماراتي في الجريمة.. صمت دولي مخزٍ
اللافت أن معظم الجرائم المرتكبة في سياق الصراع السوداني، خاصة من قبل قوات الدعم السريع، تتزامن مع دعم عسكري ولوجستي واسع من دولة الإمارات، بحسب تقارير استقصائية وشهادات ميدانية، منها تقارير لقناة CNN وهيومن رايتس ووتش، توثق إرسال شحنات سلاح وذخائر عبر مطارات تشاد وبلدان أفريقية أخرى لصالح ميليشيا حميدتي.
ويعدّ هذا الدعم – الذي يشمل الأسلحة، الطائرات المسيرة، والخدمات اللوجستية – مسؤولًا بشكل غير مباشر عن سلسلة المجازر والانتهاكات، ومنها جريمة قتل الطبيب عبد الرؤوف، إذ أن استمرار الدعم الخارجي يعزز شعور قادة “الدعم السريع” بالإفلات التام من العقاب.
كما أن الإمارات، التي تحاول تقديم نفسها كوسيط سلام في القارة الأفريقية، تورّطت مرارًا في أزمات دمويّة في السودان، واليمن، وليبيا، بحسب مراقبين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات جسيمة لكبح جماح هذه السياسات.
الكارثة مستمرة.. أين الضمير العالمي؟
في ظل الانهيار التام لمؤسسات الدولة السودانية، تبرز مأساة الأطباء كمشهد رمزي عن تحوّل الحرب إلى جريمة إبادة ممنهجة ضد الكفاءات والكوادر الإنسانية.
فقد تحوّلت المستشفيات إلى ثكنات عسكرية، والمراكز الصحية إلى أهداف مباشرة، والأطباء إلى أهداف اعتقال وتعذيب، في وقت يغيب فيه الإعلام العالمي، ويصمت فيه مجلس الأمن ومنظمة الصحة العالمية.
إن ما يحدث اليوم في السودان لا يمكن فصله عن سلسلة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، التي ترتكبها جميع أطراف الصراع، وخاصة “الدعم السريع” بدعم إماراتي، وسط تواطؤ دولي بالصمت أو غضّ الطرف.
ولا بديل أمام المجتمع الدولي – إن أراد حفظ ما تبقى من معايير إنسانية – سوى فرض عقوبات على الأطراف الممولة للميليشيات، وتفعيل آليات تحقيق دولية، تبدأ فورًا بالتحقيق في مقتل الطبيب محمد عبد الرؤوف وغيره من الضحايا الأبرياء، ووقف الكارثة الإنسانية المتصاعدة في السودان.
اقرأ أيضًا : مذبحة قرب المساعدات.. الاحتلال يواصل قتل الفلسطينيين جوعى في غزة