في جريمة جديدة تعكس حجم المأساة التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع»، قُتل أكثر من 50 مدنياً، الجمعة، في هجوم وحشي شنته الميليشيا المدعومة من دولة الإمارات، على عدد من القرى بولاية الجزيرة، وسط السودان.
يأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه الاتهامات الدولية والإقليمية لأبو ظبي بلعب دور محوري في تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع ضمن مشروع يهدف لتقسيم البلاد وإطالة أمد الحرب.

مجزرة في قلب الجزيرة.. قرى محاصرة وسكان محاصرون بالموت
أفادت تنسيقيات لجان المقاومة في مدينة «هساهيسا» التابعة لولاية الجزيرة أن ميليشيا الدعم السريع شنت هجمات متزامنة منذ فجر الجمعة على قريتي «السريحة» و«أزرق»، مستخدمة القذائف والأسلحة الثقيلة والخفيفة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 50 شخصاً في قرية السريحة وحدها، وإصابة أكثر من 200 آخرين، وسط حالة من الحصار التام التي فرضتها الميليشيا على القريتين.
وأكدت تنسيقية لجان المقاومة في بيان أن «الجرحى لا يستطيعون الخروج من القرية بسبب كثافة القصف واستهداف القناصة كل من يقترب من مداخل القرية»، محذّرة من احتمال ارتفاع أعداد القتلى نتيجة النزيف المستمر وانعدام الرعاية الصحية.
وأشارت إلى أن القريتين تتعرضان منذ أسبوعين لتهديدات مباشرة من قادة الدعم السريع الذين يحاولون السيطرة على الطريق الرابط بين مدن الجزيرة ومنطقة سنار، في إطار سعيهم لعزل الجيش السوداني عن خطوط إمداده.
وبحسب شهود عيان، عمدت الميليشيا إلى نهب ممتلكات السكان، بما فيها المنازل والمحال التجارية، وأحرقت عدداً من المباني الزراعية في خطوة تهدف إلى دفع المدنيين نحو النزوح القسري، في مشهد يتكرر في معظم مناطق سيطرتهم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
دور إماراتي مشبوه.. سلاح وأموال ومرتزقة لتفتيت السودان
الجريمة الجديدة في ولاية الجزيرة تعيد إلى الواجهة مجددًا التساؤلات حول دور دولة الإمارات في تغذية الحرب الأهلية في السودان، حيث تتزايد الأدلة على تورطها في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
تقارير دولية، بينها تحقيقات منشورة من قبل “رويترز” و“بلومبرغ”، أكدت أن أبو ظبي زودت الدعم السريع بأسلحة نوعية عبر موانئ ليبية ومطارات في تشاد، وشحنت أطناناً من الذخيرة والعتاد العسكري منذ العام 2022، أي قبل انفجار الصراع بشكل علني.
ولم يقتصر الدعم الإماراتي على التسليح، بل شمل تقديم تمويل مالي مباشر لقوات الدعم السريع، يُقدّر بمئات الملايين من الدولارات، إلى جانب إرسال مرتزقة –خصوصاً من تشاد ومالي والنيجر– للمشاركة في المعارك، لا سيما في المناطق الغنية بالذهب والنفط.
وبحسب تقارير استخباراتية تم تسريبها لعدد من المؤسسات البحثية، فإن الإمارات تهدف من هذا الدعم إلى ضمان نفوذها في المناطق الحدودية، وتأمين السيطرة على الموارد الاقتصادية الحيوية في السودان، بما يخدم مصالحها في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر.
ويؤكد مراقبون أن الإمارات تسعى، عبر هذه الاستراتيجية، إلى تفتيت السودان إلى كيانات صغيرة متصارعة، تابعة لها اقتصاديًا وعسكريًا، في إطار مشروعها الإقليمي للتغلغل في الدول المتعثرة أمنيًا كما فعلت في اليمن وليبيا.
مأزق المجتمع الدولي وصمت عربي مريب
رغم حجم المجازر التي تُرتكب على يد ميليشيا الدعم السريع بدعم إماراتي، يواصل المجتمع الدولي التعامل مع الأزمة السودانية بتقاعس واضح، مقتصرًا على بيانات شجب وإدانة لا تتجاوز حدود الورق.
ففي الوقت الذي تُفرض فيه عقوبات على أطراف في السودان، تظل الدول الداعمة للميليشيات المسلحة، وعلى رأسها الإمارات، بمنأى عن أي محاسبة.
أما على الصعيد العربي، فلا يزال الصمت سيد الموقف، رغم أن الكارثة تتسع يومًا بعد يوم، ويُخشى أن يؤدي الصراع إلى تفكيك السودان بشكل نهائي، وتحويله إلى ساحة صراع دولي يشبه النموذج الليبي.
ويطرح مراقبون تساؤلات حادة حول غياب أي موقف رسمي من الجامعة العربية تجاه سلوك الإمارات، رغم توافر أدلة دامغة على دورها التخريبي في السودان.
وفي ظل هذا التجاهل، يدفع المدنيون في السودان الثمن الأكبر، وسط انهيار شبه تام للمنظومة الصحية، وارتفاع أعداد القتلى إلى ما يقرب من 15 ألفًا منذ اندلاع الحرب، وتشريد أكثر من 10 ملايين شخص، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
ختامًا: متى تتوقف الحرب؟ ومن يوقف حميدتي؟
إن المجزرة التي وقعت في ولاية الجزيرة ليست مجرد فصل جديد في حرب دموية، بل مؤشر على تحول النزاع إلى حرب إبادة تستهدف المدنيين والكيانات المجتمعية، بدعم خارجي مكشوف. فطالما استمر تدفق الأموال والأسلحة من الإمارات إلى ميليشيا الدعم السريع، ستتواصل الجرائم، وسيتحول السودان إلى خريطة من المقابر الجماعية والمخيمات المليئة بالنازحين.
ويبدو أن وقف الحرب لم يعد ممكنًا بالاعتماد على المبادرات السياسية وحدها، ما لم يتم وقف التدخلات الخارجية، ومحاسبة الممولين الإقليميين على جرائمهم. وحتى يحدث ذلك، يبقى المواطن السوداني بين نيران القصف وقسوة النزوح، في مشهد يعكس فشل العالم في حماية أبسط حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين.
اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج الحرب وتُشعل الوباء: الكوليرا تحصد الأرواح في الخرطوم وسط انهيار صحي بالسودان