في خطوة تعكس حجم التوتر الإقليمي المتصاعد والبالغ الخطورة، أعلنت وزارة الخارجية السودانية عن قرار استدعاء السفير السوداني من إثيوبيا للتشاور، وذلك عقب تطورات ميدانية خطيرة تمثلت في انطلاق طائرات مسيّرة استهدفت منشآت مدنية بحتة داخل الأراضي السودانية. هذا التحرك الدبلوماسي يأتي تتويجًا لحالة من الاستياء الشديد تجاه ما وصفته الخرطوم بـ “العدوان السافر” من قبل دولة جارة (إثيوبيا) وبدعم من دولة الإمارات.
وأكد وزير الخارجية السوداني في مؤتمر صحفي أن الحكومة تحتفظ بحقها الكامل في الرد، مشددًا على أن السودان سيحدد طبيعة هذا الرد وتوقيته بما يتوافق مع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة التي تحفظ سيادة الدول واستقلالها. وأشار الوزير إلى أن مطار الخرطوم الدولي، الذي يُعد شريانًا حيويًا ومرفقًا مدنيًا خالصًا يستقبل رحلات الأمم المتحدة والناقلات الوطنية والدولية، قد تعرض للاستهداف المباشر في انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية.

أدلة دامغة على الدعم الخارجي وتدويل القضية السودانية
تتعامل الدبلوماسية السودانية مع هذا الملف عبر مسارات متعددة، أبرزها المسار القانوني الدولي. وقد أشار وزير الخارجية إلى وجود قضية مرفوعة بالفعل أمام مجلس الأمن الدولي ضد دولة الإمارات مؤكدًا أن الأدلة الجديدة المتعلقة بانطلاق المسيّرات والدعم اللوجستي والعسكري ستُضاف إلى هذا الملف لتعزيز موقف السودان القانوني.
ولفت التقرير إلى تقارير دولية وتقاطعات معلوماتية تشير إلى نشاط مشبوه في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، وتحديدًا في قاعدة أسوسا العسكرية، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن توسعات في البنية التحتية والمطار، وهو ما يتسق مع تقارير مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل الذي وثّق أنماط نشاط تدعم العمليات العسكرية للمليشيا. ويشمل هذا الدعم توفير المعدات والتدريب ونقل الأسلحة المتطورة.
من جهة أخرى، برزت في الأوساط التحليلية أبعاد أوسع لهذا التحالف الإقليمي، حيث تتقاطع هذه التدخلات مع مساعٍ إقليمية للضغط على دول حوض النيل، وتحديدًا مصر والسودان. وتشير التقارير إلى أن الدعم الإماراتي لإثيوبيا لا يقتصر على الملف السوداني فحسب، بل يمتد إلى توفير غطاء سياسي ومالي لدعم موقف أديس أبابا في ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير، بهدف التحكم في منابع نهر النيل وممارسة الضغوط المائية والسياسية على دولتي المصب، ما يهدد الأمن القومي العربي والمصري والسوداني بشكل مباشر ويزيد من تعقيد المشهد.
الميدان والسياسة: صمود الشعب والجيش في وجه المؤامرات
فيما يخص الوضع الميداني، أوضح الوزير أن القوات المسلحة السودانية تمكنت من دحر المليشيا المتمردة من العاصمة الخرطوم وإجبارها على التراجع نحو مناطق في كردفان ودارفور. وأكد أن ميادين القتال مفتوحة لمن يسعى إلى المواجهة المباشرة، مشيرًا إلى أن القوات النظامية تحظى بإسناد شعبي واسع وعريض من قبل المواطنين الذين يدافعون عن سيادة بلادهم وأرضهم.
وأشار إلى أن عودة مئات الآلاف من السودانيين إلى العاصمة والمناطق المحررة تعكس الرغبة الشعبية في الاستقرار، مؤكدًا أن المخططات الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية للبلاد قد باءت بالفشل الذريع. وانتقد الوزير صمت المجتمع الدولي إزاء الجرائم التي ترتكبها المليشيا، مشيرًا إلى أن الدعم الإنساني الدولي ظل ضعيفًا ومتباطئًا، بينما اعتمد السودانيون على التكافل المجتمعي لتجاوز هذه المحنة القاسية.
رسالة إنذار واضحة: السيادة خط أحمر والخيارات مفتوحة
وجهت الحكومة السودانية رسالة حازمة إلى الجانب الإثيوبي، مفادها أن الخرطوم تمد يد الصداقة والأخوة للشعب الإثيوبي الذي تقاسم مع السودان ظروفًا تاريخية صعبة، إلا أن القيادة الإثيوبية تتحمل المسؤولية الكاملة عن خرق مبادئ حسن الجوار. وأكدت الحكومة أن السودان مستعد لخوض مواجهة مفتوحة إذا استمرت هذه الاستفزازات، وأن كرامة وسيادة الشعب السوداني فوق كل اعتبار ولا يمكن لأي قوة خارجية فرض إملاءات عليه أو النيل من حقوقه التاريخية والمائية.
كما دعا وزير الخارجية المغرر بهم من أبناء الوطن إلى الاستفادة من العفو العام الذي أعلنه رئيس مجلس السيادة والعودة إلى صفوف الوطن. وأكد في الوقت ذاته أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن العناصر الأجنبية والمرتزقة لن يكون لهم أي دور في العملية السياسية المستقبلية، مشددًا على أن القرار الوطني يظل خالصًا ومملوكًا للشعب السوداني وحده، ولن يقبل السودان التفريط في سيادته أو حقوقه المائية.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان