تعيش محافظة السويداء جنوب سوريا على وقع توترات أمنية متصاعدة، رغم إعلان رسمي عن اتفاق لوقف إطلاق النار. الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مجددًا بين قوات الدولة السورية ومجموعات مسلحة، تؤكد هشاشة الاتفاقات المؤقتة، وتعكس تحديات عميقة في محاولات الدولة بسط سيطرتها واحتواء النزاعات في المنطقة.

وفي وقت تتهم فيه دمشق تلك المجموعات بالخروج عن القانون، تواصل إسرائيل قصفها المتكرر على المحافظة، بزعم “حماية الطائفة الدرزية”، ما يزيد المشهد تعقيدًا ويوحي بأبعاد خارجية مريبة للأزمة.

 

الفصل الأول: انقسام داخلي وفشل في بسط السيطرة
منذ اشتباكات الأحد الدامي بين مجموعات درزية وأخرى بدوية، دخلت قوات الجيش والأمن الداخلي السوري إلى السويداء لضبط الأمن، وسط مشهد أمني يتداخل فيه المحلي بالوطني. وبينما أعلنت وزارة الدفاع السورية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بالتعاون مع الوجهاء المحليين، عادت الاشتباكات في اليوم التالي لتؤكد غياب آلية واضحة لتنفيذ الاتفاق.

يرى الأكاديمي والسياسي جمال درويش أن الاتفاق افتقر لعنصر الضمان والتنفيذ، ولم يأت نتيجة حوار استراتيجي مع جميع الأطراف، مشيرًا إلى أن تجاوزات على الأرض “استفزت السكان وزعزعت الثقة بالدولة”. ويضيف أن تعدد مواقف القوى داخل السويداء -بين من يدعو للاندماج مع الدولة ومن يطالب بتغييرات سياسية جذرية- يعقد مهمة توحيد السلاح وبسط سلطة القانون. هذا الانقسام، وفق درويش، هو إرث تركه غياب الدولة منذ سقوط نظام بشار الأسد، حيث لم تصدر المحافظة موقفًا موحدًا، بل تعددت التيارات والمبادرات، مما جعل المنطقة عرضة للاستقطاب الداخلي والخارجي.

الكاتب والباحث السياسي عبد المنعم زين الدين بدوره يعيد جذور الأزمة إلى تغييب دور الدولة لسنوات، ما خلق فراغًا ملأته مجموعات محلية متباينة الولاءات. ويؤكد أن أطرافًا رفضت الحوار وتمسكت بخطاب فوقي بعيد عن منطق الدولة، ما حال دون الوصول إلى تسويات محلية حقيقية.

الفصل الثاني: الغارات الإسرائيلية ودور تل أبيب في تأجيج الفوضى
بموازاة التحركات السورية الداخلية لاحتواء الوضع، لم تتوانَ إسرائيل عن استغلال اللحظة لتوجيه ضربات جوية جديدة على السويداء ودرعا، مستهدفة مواقع عسكرية وطريقًا مؤديًا إلى المدينة، في تدخل مباشر يعكس رغبة تل أبيب في إبقاء الجنوب السوري في حالة عدم استقرار دائم.

اللافت أن الغارات جاءت بأمر مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، مع تبريرات بزعم إدخال “أسلحة ثقيلة” إلى السويداء وانتهاك سياسة نزع السلاح المتفق عليها سابقًا، فيما أعلن الطرفان “الالتزام بحماية دروز سوريا على قاعدة تحالف الأخوة مع دروز إسرائيل”. هذه اللهجة التحريضية تتزامن مع محاولات سياسية حثيثة لإضعاف السلطة الجديدة في دمشق وخلق مناطق عازلة في الجنوب، شبيهة بما حدث سابقًا في شمال سوريا.

المحلل والباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي، يرى أن إسرائيل تسعى لإبقاء السلطة السورية في موقع الدفاع، خاصة بعد رفضها تنفيذ مطالب إسرائيلية واضحة، منها التطبيع والمشاركة في عمليات عسكرية ضد حزب الله في لبنان. ويفسر مكي الضربات الأخيرة بأنها محاولة ابتزاز سياسي بغطاء أمني، خاصة بعد التقارب السوري الأميركي الأخير، ولقاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بنظيره الأميركي دونالد ترامب في الرياض، وهو اللقاء الذي مهّد لرفع العقوبات جزئيًا عن سوريا.

الفصل الثالث: هل تستطيع الدولة احتواء الأزمة وتوحيد السلاح؟
مع استمرار التوترات، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدولة السورية في فرض الأمن وتوحيد السلاح داخل السويداء؟ الإجابة ليست سهلة في ظل تعقيدات المشهد. فالجيش بدأ بالفعل خطوات أولية لسحب الآليات الثقيلة وتسليم السيطرة لقوى الأمن الداخلي، لكن من دون استراتيجية شاملة للمصالحة المحلية وضمان الحقوق والمشاركة السياسية، فإن أي تهدئة قد تبقى مؤقتة.

النجاح في فرض الأمن يتطلب أكثر من تدخل عسكري؛ يحتاج إلى إعادة دمج السويداء ضمن المشروع الوطني، والانفتاح على مبادرات محلية تحظى بشرعية شعبية، فضلًا عن تحييد أيادي الخارج التي تسعى لتقسيم الجنوب السوري. كما أن ملف السلاح المنتشر خارج إطار الدولة لن يُحل بالقوة فقط، بل بالحوار والتفاوض، مع التركيز على بناء الثقة بين المواطن والدولة، بعد سنوات من التهميش والفراغ الأمني.

الواقع أن ما يجري في السويداء لا ينفصل عن المشهد السوري العام، فالمحافظة كانت طوال السنوات الماضية إحدى أكثر المناطق استقرارًا نسبيًا، واندلاع العنف فيها يحمل إشارات تحذيرية لما قد يُرتّب للبلاد من مشاريع تفتيت أو إضعاف ممنهج.

خاتمة: بين التحديات والفرص
أمام الدولة السورية فرصة لإعادة الاعتبار لسلطتها الوطنية في السويداء، شرط أن تعتمد مقاربة شاملة تستند إلى الحوار والعدالة، وتقطع الطريق على أي تدخل خارجي، خصوصًا الإسرائيلي. وفي حال فشل هذه الفرصة، فإن المحافظة قد تتحول إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع الإقليمي والدولي، تفتح الباب على مصير مجهول قد يطال الجنوب السوري بأكمله.

اقرأ أيضًا : المقاومة تصدّر اليأس: انتحـ.ـار ثالث جندي إسرائيلي في غزة خلال 10 أيام