بقلم / ياسر إبراهيم
مع تسارع انهيارات الجبهة النفسية لجيش الاحتلال، سجّلت إسرائيل خلال الأيام العشرة الأخيرة انتحار ثالث جندي قاتل في قطاع غزة، في تطور صادم يسلّط الضوء على أزمة صامتة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: الجنود لم يعودوا يطيقون الحرب.
فقد أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، مساء الإثنين، أن جنديًا من لواء “ناحال” أنهى حياته صباحًا داخل قاعدة عسكرية بمرتفعات الجولان، بعد مشاركته في معارك غزة لأكثر من عام، ليرتفع عدد حالات الانتحار المعلنة في صفوف الجنود منذ بدء العدوان إلى 44 حالة.

غزة… الجحيم الذي لا يُنسى
أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن الجندي المنتحر خدم طيلة العام المنصرم في غزة، وهي واحدة من أكثر الجبهات دموية وتعقيدًا في تاريخ الاحتلال العسكري، حيث اشتبك الجيش الإسرائيلي مع مقاومة مسلحة عنيدة أظهرت صلابة غير مسبوقة، ونجحت في قلب موازين الحرب.
ورغم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، فإن العمليات النوعية التي نفذتها كتائب القسام وسرايا القدس وفصائل المقاومة الأخرى، دفعت الكثير من الجنود إلى حافة الانهيار العقلي.
وفي الوقت ذاته، نقل موقع “والا” عن مصادر عسكرية قولها إن عددا من الجنود العائدين من غزة يرفضون العودة إلى الخطوط الأمامية، فيما اضطر الجيش إلى اعتقال بعضهم بتهمة العصيان.
وتكشف هذه الوقائع كيف صدّرت المقاومة الفلسطينية اليأس والصدمة إلى قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي طالما عولت على تفوقها النفسي والانضباط الحديدي لجنودها.
سلاح المقاومة النفسية يفتك بالجبهة الداخلية
يتجاوز أثر المقاومة الفلسطينية حدود المعارك الميدانية إلى ساحة أوسع وأخطر: الجبهة النفسية.
فقد نقلت صحيفة هآرتس تفاصيل حادثة انتحار أحد الجنود الأسبوع الماضي، وهو عنصر من لواء “غولاني” خضع لتحقيق في وحدة الشرطة العسكرية، وتم سحب سلاحه منه إثر تورطه في مخالفة تأديبية.
لكن بعد ساعات، استولى على سلاح رفيقه وأطلق النار على نفسه داخل قاعدة “سدي تيمان” بصحراء النقب.
وقالت الصحيفة إن الجندي عانى من اضطرابات نفسية شديدة بعد مشاركته في المعارك، ما يُعيد إلى الواجهة تساؤلات كبرى عن قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة هذه الحرب النفسية طويلة الأمد.
وفي ظل هذا الضغط، تتزايد ظواهر مثل الهروب من الخدمة، التمرد، العصيان، والعلاج النفسي القسري، بحسب شهادات وتقارير داخلية لم تُنشر على نطاق واسع.
وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن أكثر من 44 جندياً انتحروا منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وهو رقم يُخفي على الأرجح أعدادًا أكبر لا يتم الإعلان عنها تجنبًا للفضيحة.
انهيار الصمود الوهمي.. والقيادة في مأزق
تُعد هذه الموجة من الانتحارات بمثابة إنذار استراتيجي خطير لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، وحكومة نتنياهو، التي تواصل الزجّ بالجنود إلى قطاع غزة رغم تصاعد الخسائر المادية والبشرية والنفسية.
كما تعكس أزمة عميقة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي اعتادت على الحروب السريعة والضربات الجوية، لا على مواجهة مقاومة منظمة تجرّها إلى حرب استنزاف نفسية وعصبية على مدار أشهر.
ولم تكن هذه الانتحارات مفاجئة للخبراء العسكريين الإسرائيليين الذين سبق أن حذروا من تأثير ما سموه “الفراغ الأخلاقي والقتال غير الواضح”، إذ يجد الجنود أنفسهم في بيئة عدائية، دون هدف واضح، ويتعرضون لكمائن ومفاجآت يومية تجعلهم في حالة توتر دائم.
أما قيادة الاحتلال، فتحاول التعتيم على حجم الأزمة، خشية انهيار معنويات الجنود الآخرين، وسط حملة تحريض مناهضة للرافضين العودة إلى غزة، ووصفهم بالخونة أو الجبناء.
خاتمة: عندما يتحول الاحتلال إلى كابوس على أصحابه
ربما كانت المفارقة الكبرى أن الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة بقصد “تدمير حماس وإنهاء الخطر”، تحولت إلى مستنقع نفسي للجنود، وكابوس يؤرق عائلاتهم، وبابًا جديدًا لمأساة صامتة في الجبهة الداخلية.
ففي الوقت الذي تُدمَّر فيه أحياء غزة، تنهار داخليًّا جبهات الجنود، وتسقط الأساطير العسكرية الإسرائيلية أمام إبداع المقاومة.
وربما أصبح الانتحار الصامت أكثر ما يخشاه الجنود الإسرائيليون من العودة إلى غزة… حيث لا تنتظرهم فقط نيران المقاومة، بل أشباح ما فعلوه فيها.
اقرأ أيضًا : فوضى مدفوعة ومليشيات مأجورة.. كيف تُنفّذ إسرائيل مخطط التهجير القسري لسكان غزة؟