بقلم / أحمد محمد أحمد

بثّت قناة Arte الفرنسية–الألمانية فيلمًا وثائقيًا سياسيًا حمل عنوان «السيسي: فرعون مصر الجديد»، قدّم قراءة نقدية غير مسبوقة لطبيعة الحكم في مصر، مفككًا منظومة السلطة التي بناها عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم، بعيدًا عن الدعاية الرسمية وخطاب “الاستقرار والإنجاز”. الوثائقي، الممتد لنحو 54 دقيقة، من إخراج الصحفيتين كلير بيليت وناديا بليتري، لا يكتفي برصد الواقع، بل يضع النظام المصري في قفص التحليل السياسي والاقتصادي، كاشفًا عن ديكتاتورية مقنّعة بالخرسانة والمشاريع العملاقة، وفشل بنيوي يجري تمويله بالديون والقمع.

دولة الأبراج… ومجتمع الفقر

يركّز الفيلم على التناقض الصارخ بين العاصمة الإدارية الجديدة ومشاريع البذخ العمراني من جهة، وبين الواقع الاجتماعي المتدهور للمصريين من جهة أخرى. يصوّر الوثائقي العاصمة الجديدة كمدينة استعراضية منفصلة عن المجتمع، مليئة بالأبراج والقصور والكنائس والمساجد الضخمة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين في القاهرة والمدن الكبرى، وتتمدد رقعة الفقر والبطالة.

يرى العمل أن هذه المشاريع لا تمثل تنمية حقيقية، بل عرضًا للقوة يخدم صورة النظام أكثر مما يخدم الاقتصاد، خصوصًا في ظل تضخم غير مسبوق وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وقرارات رفع الدعم التي أصابت الطبقات الوسطى والفقيرة في الصميم.

ديون بلا عائد… اقتصاد على حافة الانهيار

يضع الوثائقي ملف الديون في قلب تشريحه للنظام، معتبرًا أن حكم السيسي قام على نموذج استدانة مكثفة دون إنتاج مستدام. فمصر باتت من أكثر دول العالم مديونية، مع اعتماد متزايد على قروض صندوق النقد الدولي والدعم الأوروبي والخليجي، دون أن ينعكس ذلك على تحسين فعلي في مستوى المعيشة أو خلق اقتصاد منتج.

يؤكد الفيلم أن هذه الديون لم تُستثمر في الصناعة أو التعليم أو الزراعة، بل ذهبت في الغالب إلى مشاريع عملاقة ذات مردود اجتماعي محدود، ما حوّل الدولة إلى رهينة للدائنين، وجعل السياسات الاقتصادية خاضعة لشروط خارجية قاسية يدفع ثمنها المواطن العادي.

عسكرة الدولة… الجيش في قلب كل شيء

أحد أكثر محاور الوثائقي حدة يتمثل في تفكيك الدور المتضخم للمؤسسة العسكرية، التي لم تعد تقتصر على الأمن والدفاع، بل باتت تهيمن على قطاعات حيوية مثل قناة السويس، والموانئ، والبناء، والبنية التحتية. ويعرض الفيلم شهادات تؤكد أن الجيش يدير هذه القطاعات بعقلية فوق المحاسبة، وبميزانيات مفتوحة، خارج أي رقابة مدنية حقيقية.

مهندس فرنسي شارك في تنفيذ أنفاق قناة السويس يكشف أن المشاريع كانت تُدار تحت إشراف عسكري مباشر، وبأولوية “السرعة مهما كان الثمن”، دون اعتبار للكلفة الاقتصادية أو الجدوى طويلة المدى، ما يعكس نموذج حكم يقوم على الأوامر لا التخطيط.

القمع كأداة حكم

لا يفصل الوثائقي بين الفشل الاقتصادي والقبضة الأمنية، بل يعتبر القمع عنصرًا بنيويًا في إدارة الدولة. ينقل العمل شهادات لمواطنين تحدثوا بأسماء مستعارة خوفًا من الملاحقة، إلى جانب روايات لمعتقلين سابقين تكشف عن قسوة السجون وتحولها إلى أدوات ردع جماعي.

يرسم الفيلم صورة لدولة تُدار بالخوف، حيث بات الصمت شرطًا للنجاة، وأي اعتراض يُقابل بالاعتقال أو الإقصاء. ويخلص إلى أن هذا المناخ الخانق دمّر المجال العام، وقضى على أي إمكانية لإصلاح سياسي سلمي.

فرعون العصر الحديث

يعتمد الوثائقي مقاربة رمزية لافتة، عبر توصيف السيسي بـ**«الفرعون الجديد»**، ليس كإسقاط تاريخي عابر، بل كنموذج حكم يعيد إنتاج الاستبداد في ثوب حديث. فالرئيس، وفق الفيلم، يختزل الدولة في شخصه، ويبرر تركيز السلطة والمشاريع العملاقة بخطاب العظمة والقوة، مستدعيًا رموز الماضي لتكريس هيمنة مطلقة في الحاضر.

الباحث السياسي يزيد صايغ يصف مصر بأنها تحولت إلى “جيش في الداخل”، يحظى بقبول دولي باعتباره ضامنًا للاستقرار الإقليمي، رغم سجل حقوقي كارثي، ما يكشف ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع النظام.

تحذير من الانفجار

في خاتمته، يطلق الوثائقي تحذيرًا صريحًا من وضع انفجاري محتمل، معتبرًا أن اتساع الهوة بين دولة القصور والأبراج ومجتمع الشوارع المنهكة قد يقود إلى انفجار اجتماعي واسع، إذا استمر نموذج الحكم القائم على العسكرة والاستدانة والقمع.

ويخلص العمل إلى أن «السيسي: فرعون مصر الجديد» ليس مجرد فيلم وثائقي، بل لائحة اتهام سياسية لنظام ديكتاتوري فشل في بناء دولة عادلة، واختار تثبيت سلطته بالقوة والديون، على حساب الحريات والكرامة والعدالة الاجتماعية.

اقرأ أيضًا : شهادة اغتصاب تهزّ السجون الإسرائيلية: صحفي فلسطيني يفضح جرائم التعذيب الممنهج