في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واتساع رقعة الصراعات في المنطقة، خرج رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بتصريحات جديدة حاول من خلالها تبرير قرار حكومته رفع أسعار الوقود، مرجعًا هذه الخطوة إلى ما وصفه بتداعيات الحروب الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية. غير أن هذه المبررات أثارت موجة من الانتقادات والتشكيك بين مراقبين وخبراء اقتصاديين يرون أن الأزمة الاقتصادية في مصر أعمق بكثير من مجرد انعكاسات للصراعات الخارجية.
وجاءت تصريحات السيسي خلال كلمته في حفل “إفطار الأسرة المصرية” الذي عقد بحضور مسؤولين حكوميين وشخصيات عامة وممثلين عن فئات المجتمع المختلفة، حيث أشار إلى أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة تتسم بتغيرات متسارعة وتحديات غير مسبوقة. وقال إن الحروب الجارية في المنطقة، بما فيها المواجهات في غزة والتوترات المرتبطة بإيران، ألقت بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي، متسببة في اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، الأمر الذي انعكس بدوره على الاقتصاد المصري.
وبحسب السيسي، فإن هذه التطورات دفعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية وصفها بالضرورية للحفاظ على استقرار الاقتصاد وضمان استمرار توفير السلع الأساسية، موضحًا أن قرار رفع أسعار المنتجات البترولية جاء في إطار التعامل مع الضغوط المالية المتزايدة التي تواجهها الدولة.

أزمة اقتصادية متراكمة أم نتيجة للحروب؟
رغم محاولة النظام المصري ربط قراراته الاقتصادية بالأوضاع الإقليمية، يرى عدد من المحللين أن تحميل الحروب مسؤولية رفع أسعار الوقود يتجاهل جذور الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات. فمصر شهدت سلسلة من الإجراءات التقشفية ورفع الدعم عن الطاقة منذ عام 2016 ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما أدى إلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار أثقلت كاهل المواطنين.
ويرى منتقدون أن السياسات الاقتصادية التي اتبعها النظام خلال العقد الأخير لعبت دورًا كبيرًا في تفاقم الأزمة، خاصة مع التوسع في مشاريع بنية تحتية ضخمة وارتفاع مستويات الدين الخارجي، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الموازنة العامة. وفي هذا السياق، يعتبر البعض أن ربط رفع أسعار الوقود بالحروب الإقليمية يمثل محاولة لتخفيف الغضب الشعبي وتحويل الأنظار عن الأسباب الداخلية للأزمة.
كما يشير اقتصاديون إلى أن تأثير الحروب على الاقتصاد المصري لا يفسر وحده القرارات الاقتصادية الأخيرة، خصوصًا أن سياسة رفع الدعم عن الوقود كانت جزءًا من خطة حكومية طويلة الأمد تهدف إلى تقليص الدعم تدريجيًا وتقليل العجز في الموازنة.
تراجع إيرادات قناة السويس وضغوط الطاقة
خلال حديثه، أشار السيسي إلى أن مصر تأثرت بعدد من الأزمات العالمية خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى الحروب الإقليمية، وهو ما انعكس على موارد الدولة. وكشف أن إيرادات قناة السويس تراجعت بنحو 10 مليارات دولار خلال الفترة الماضية، نتيجة الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر وتغير مسارات بعض خطوط الملاحة العالمية.
كما لفت إلى أن الدولة تنفق سنويًا نحو 20 مليار دولار على استيراد المنتجات البترولية لتلبية احتياجاتها المختلفة، سواء في تشغيل محطات الكهرباء أو تلبية متطلبات القطاعات الصناعية والنقل. وأكد أن هذه الفاتورة المرتفعة تشكل ضغطًا كبيرًا على الموازنة العامة، ما يدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتقليل عبء الدعم.
وفي المقابل، أشار السيسي إلى أن الحكومة تعمل على التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة بهدف تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وخفض فاتورة الاستيراد. وذكر أن مصر تستهدف رفع نسبة الطاقة النظيفة إلى نحو 42 بالمئة من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030، مع السعي لتحقيق هذا الهدف في وقت أقرب.
وعود بالحماية الاجتماعية وسط تزايد الأعباء
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أكد السيسي أن الدولة تسعى إلى تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا من خلال توسيع برامج الدعم الاجتماعي. وأشار إلى توجيهاته للحكومة بإطلاق حزمة اجتماعية جديدة تستهدف محدودي ومتوسطي الدخل، في إطار تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية خلال المرحلة الراهنة.
كما شدد على ضرورة مراقبة الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية أو استغلال المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار، مؤكدًا أن الدولة ستتخذ إجراءات صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك إحالتهم إلى المحاكمة.
لكن منتقدين يرون أن هذه الوعود لا تعالج المشكلة الأساسية، إذ إن موجات رفع الأسعار المتكررة تقلل من تأثير أي برامج دعم حكومية، خصوصًا في ظل التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
دبلوماسية مصرية في ظل اضطراب إقليمي
في سياق حديثه، أشار السيسي إلى أن مصر تتحرك دبلوماسيًا على أكثر من مسار من أجل خفض حدة التوترات في المنطقة، سواء في الخليج أو في الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة. وأكد أن القاهرة تواصل جهودها لدعم الحلول السياسية وتجنب اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
كما شدد على موقف بلاده الرافض للاعتداءات التي تمس أمن الدول العربية واستقرارها، داعيًا إلى تغليب الحوار والالتزام بالقانون الدولي والقانون الإنساني لتجنب المزيد من التصعيد.
وفي ختام كلمته، دعا السيسي المصريين إلى التكاتف في مواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والتماسك المجتمعي. غير أن منتقدين يرون أن الخطاب الرسمي الذي يربط الأزمات الاقتصادية بالحروب الإقليمية يتجاهل إلى حد كبير دور السياسات الاقتصادية الداخلية في تفاقم الأوضاع المعيشية، وهو ما يجعل كثيرين يشككون في الرواية الحكومية بشأن أسباب القرارات الاقتصادية الأخيرة.
اقرأ أيضًا : تصاعد الهجمات الإيرانية يضع الخليج على حافة حرب إقليمية مفتوحة