دخلت منطقة الخليج مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، بعدما أعلنت أربع دول خليجية فجر السبت اعتراض هجمات جديدة بطائرات مسيّرة وصواريخ، في ظل الحرب الإقليمية المتصاعدة التي اندلعت بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وتشير هذه التطورات إلى اتساع نطاق المواجهة العسكرية خارج الأراضي الإيرانية، وامتدادها إلى عمق دول مجلس التعاون الخليجي التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ساحة غير مباشرة لتبادل الرسائل العسكرية بين طهران وخصومها.
ففي السعودية، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض وتدمير عدد من الطائرات المسيّرة في مناطق متفرقة من البلاد، بينها طائرة في صحراء الربع الخالي وست طائرات أخرى في المنطقة الشرقية، إضافة إلى مسيّرة في منطقة الجوف شمالي البلاد. وتأتي هذه الهجمات في سياق متكرر منذ اندلاع الحرب، حيث أصبحت الأجواء السعودية إحدى الساحات الرئيسية لعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف ما تصفه إيران بـ”المصالح الأمريكية في المنطقة”.
أما قطر، فأكدت وزارة الدفاع أن قواتها المسلحة تصدت لهجوم صاروخي استهدف البلاد، مشيرة إلى أن السلطات بدأت إجراءات احترازية تضمنت إخلاء بعض المناطق الحساسة مؤقتاً، في محاولة لتقليل المخاطر المحتملة على المدنيين. ويعكس هذا الإجراء مستوى القلق الأمني الذي بات يخيّم على دول الخليج، التي تجد نفسها فجأة في قلب صراع إقليمي واسع لم تكن طرفاً مباشراً فيه.
وفي الإمارات، أعلن المكتب الإعلامي لحكومة دبي أن شظايا سقطت على واجهة أحد المباني وسط المدينة نتيجة اعتراض هدف جوي، مؤكداً عدم وقوع إصابات أو حرائق. غير أن الحادثة كشفت هشاشة الوضع الأمني في واحدة من أكثر المدن الخليجية ازدحاماً بالسكان والاستثمارات الأجنبية، حيث أصبح خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة واقعاً ملموساً يهدد البنية الاقتصادية والسياحية للمنطقة.
أما الكويت، فقد أعلن الحرس الوطني إسقاط طائرة مسيّرة في أحد المواقع التي يتولى تأمينها داخل البلاد، في حادثة تؤكد أن دائرة الاستهداف توسعت لتشمل معظم دول الخليج، حتى تلك التي حاولت طوال السنوات الماضية الحفاظ على سياسة التوازن وتجنب الانخراط في صراعات المنطقة.

حرب تتجاوز إيران لتطال بنية الأمن الخليجي
تكشف هذه الهجمات عن تحول خطير في طبيعة الصراع الدائر، إذ لم يعد مقتصراً على المواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل بات يهدد البنية الأمنية لدول الخليج بأكملها. فهذه الدول، رغم أنها لم تعلن مشاركتها في العمليات العسكرية ضد إيران، أصبحت بحكم الجغرافيا والوجود العسكري الأمريكي على أراضيها جزءاً من مسرح الحرب.
وتشير الإحصائيات المتداولة إلى أن أكثر من 850 صاروخاً و2650 طائرة مسيّرة أُطلقت منذ بداية الحرب باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم أن معظم هذه الهجمات تم اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي، فإن سقوط الشظايا والأضرار التي لحقت ببعض المنشآت المدنية يؤكد أن منظومة الأمن الإقليمي باتت تواجه تحدياً غير مسبوق.
وتصر إيران على أن هجماتها لا تستهدف دول الخليج بشكل مباشر، بل تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. غير أن الواقع الميداني يظهر أن طبيعة الحرب الحديثة، التي تعتمد على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، تجعل من الصعب حصر الأضرار في أهداف عسكرية محددة، خصوصاً في مناطق حضرية مكتظة بالسكان والمنشآت الحيوية.
وقد أدى هذا الوضع إلى تصاعد المخاوف داخل دول الخليج من أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى، في ظل استمرار العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وردود طهران المتصاعدة عبر شبكة من الهجمات الصاروخية والمسيرات.
مجلس الأمن يدين الهجمات وسط اتهامات بتوسيع الحرب
وفي خضم هذا التصعيد، تبنى مجلس الأمن الدولي قراراً يدين الهجمات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج والأردن، وذلك بعد مشروع قرار قدمته البحرين باسم مجلس التعاون الخليجي. ورحبت قطر بالقرار، داعية إلى وقف الهجمات فوراً لتجنب انزلاق المنطقة نحو مزيد من التصعيد العسكري.
غير أن هذا القرار لم يخفف من حدة الجدل حول جذور الأزمة الحالية، إذ يرى كثير من المراقبين أن الحرب التي اندلعت نتيجة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران فتحت الباب أمام سلسلة من الردود المتبادلة التي تهدد بإغراق الشرق الأوسط في صراع واسع النطاق.
فمن وجهة نظر طهران، فإن استهدافها العسكري المباشر من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل يعني أن الرد سيطال كل المواقع التي تُستخدم لدعم هذه العمليات، بما في ذلك القواعد العسكرية المنتشرة في دول الخليج. أما بالنسبة للدول الخليجية، فإنها تجد نفسها عالقة بين تحالفاتها الأمنية مع واشنطن من جهة، ورغبتها في تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة من جهة أخرى.
ويحذر خبراء الأمن الإقليمي من أن استمرار هذا المسار التصعيدي قد يؤدي إلى انهيار منظومة الاستقرار الهشة في الخليج، خصوصاً إذا تزايدت الهجمات أو وقعت إصابات بشرية واسعة النطاق داخل المدن الخليجية.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مواجهة أكبر، حيث يتقاطع الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مع شبكة معقدة من المصالح العسكرية والاقتصادية، ما يجعل أي خطأ في الحسابات قادراً على إشعال حرب قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الخليج نفسه.
اقرأ أيضًا : عُمان تكشف أهداف الحرب في المنطقة: إعادة رسم الشرق الأوسط ومنع قيام دولة فلسطينية وفرض التطبيع