في خطوة أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الشعبية والحقوقية العربية، أقدمت السلطات المصرية على احتجاز وترحيل عشرات المتضامنين العرب والأجانب الذين وصلوا إلى مطار القاهرة للمشاركة في “قافلة الصمود” المتجهة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح.
هذه القافلة، التي جاءت كمبادرة مدنية لدعم الشعب الفلسطيني وكسر الحصار المفروض على غزة، وُوجهت برد أمني عنيف من السلطات المصرية، ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على تناغم نظام عبد الفتاح السيسي مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
بحسب تقارير إعلامية، فإن قوات الأمن المصرية أوقفت عشرات النشطاء، من جنسيات تونسية، جزائرية، فرنسية، مغربية، وتركية، بعضهم تم احتجازه في المطار فور وصوله، بينما تم ترحيل آخرين قسراً بعد اقتحام مقار إقامتهم في العاصمة.
وقد طالت حملة التوقيف والترحيل نشطاء معروفين، من بينهم محامون وحقوقيون، قدموا خصيصاً للتضامن مع الفلسطينيين في غزة، ضمن قافلة صُممت لنقل المساعدات الرمزية وإيصال رسالة دعم سياسي ومعنوي للقطاع المحاصر.

اعتقالات جماعية ورسائل سياسية
أفادت المحامية الجزائرية فتيحة رويبي أن السلطات المصرية تحتجز منذ صباح الأربعاء نحو 40 جزائريًا، من بينهم ثلاثة محامين، في مطار القاهرة. وجاءت تصريحاتها لتؤكد ما نشره موقع “مدى مصر” حول بدء عمليات التوقيف والترحيل بحق المشاركين في القافلة، في ظل غياب أي تعليق قضائي رسمي، ووسط تكتم إعلامي مصري شبه تام.
الوفد الفرنسي لم يسلم هو الآخر من الاستهداف؛ فقد اقتحمت الشرطة المصرية فندقيْن وسط القاهرة كانا يُستخدمان لإقامة أعضاء الوفد، ثم انقطع الاتصال بهم، ما أثار مخاوف من توقيفهم أو ترحيلهم قسرًا. وفي السياق نفسه، أكدت مصادر حقوقية أن سلطات مطار القاهرة أعادت أكثر من عشرة مشاركين من الوفد المغربي، بينما تم ترحيل مواطنين أتراك بعد رصدهم وهم يرفعون علم فلسطين أمام الفندق.
الخطوة الأشد قسوة جاءت مع منع دخول وفد نسائي تونسي بالكامل، بحسب ما أعلنت “منصة رصد” التونسية، التي أشارت إلى احتجاز نساء وفتيات في المطار دون توجيه أي تهم، في مشهد وصفه نشطاء تونسيون بأنه “عار دبلوماسي وإنساني”.
الخارجية المصرية: التنسيق شرط مسبق
رد القاهرة الرسمي جاء على لسان وزارة الخارجية، التي أصدرت بياناً كررت فيه المعزوفة الأمنية المعتادة، مؤكدة أن عبور أي قافلة إلى قطاع غزة لا يتم إلا “بالتنسيق المسبق مع الجهات الرسمية”، ووفق “الإجراءات الأمنية المعمول بها”. كما شدد البيان على أن مصر “تثمّن مشاعر التضامن العربي” لكنها ترفض ما وصفته بـ”تجاوز الإجراءات”.
ورغم محاولات تلطيف اللهجة، حمل البيان رسائل واضحة بأن السلطات المصرية لن تسمح بأي نشاط تضامني خارج عن سيطرتها الأمنية. اللافت أن البيان أعاد التأكيد على دعم مصر لصمود الفلسطينيين، ورفضها للانتهاكات الإسرائيلية، لكنه لم يشر مطلقاً إلى استخدام القوة الأمنية المصرية ضد نشطاء قدموا خصيصاً لدعم هؤلاء الفلسطينيين.
مصر بوابة الحصار بدل أن تكون بوابة المقاومة
تصرف النظام المصري تجاه قافلة الصمود يكشف حجم التناقض في مواقف القاهرة. ففي الوقت الذي تزعم فيه مصر دعم الفلسطينيين، تمارس فعلياً سياسات تكمّل الحصار الإسرائيلي على غزة.
فقد تحوّل معبر رفح، الذي كان يُفترض أن يكون نافذة عربية على غزة، إلى أداة حصار بيد السيسي، تُفتح وتُغلق بحسب أجندات إسرائيلية وأميركية، لا بحسب احتياجات الفلسطينيين أو مقتضيات العمل الإنساني.
من جهة أخرى، يربط كثير من المراقبين هذا التصعيد المصري بالسياق السياسي الإقليمي والدولي، إذ تأتي هذه الحملة الأمنية في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي العربي ضد جرائم الاحتلال في غزة، وتُسجَّل فيه محاولات متفرقة لكسر الصمت والتواطؤ العربي الرسمي، كما في الجامعات الغربية والعواصم الأوروبية.
ويبدو أن النظام المصري، الساعي إلى تأكيد “انضباطه الأمني” أمام حلفائه في تل أبيب وواشنطن، قرر أن يرسل رسالة واضحة بأن أي تحرك شعبي خارج السيطرة لن يُسمح به، حتى لو كان موجهاً ضد الاحتلال.
السيسي يحرس الاحتلال ويقمع المتضامنين
في ضوء ما سبق، فإن تعامل السلطات المصرية مع قافلة الصمود لا يمكن قراءته خارج سياق العلاقة المعقدة بين نظام السيسي والاحتلال الإسرائيلي. فالمساعدات الرمزية والنوايا الطيبة التي حملها النشطاء جوبهت بأمن مشدّد وقرارات ترحيل جماعي، في سلوك لا يختلف كثيراً عن ممارسات الاحتلال ذاته.
بل إن مراقبين يرون أن الإجراءات المصرية أشد قسوة أحياناً، كونها تنطلق من دولة عربية يفترض أن تكون نصيرة للشعب الفلسطيني، لا متحالفة مع من يقتله ويحاصره.
السيسي، الذي لم يتردد في تسويق نفسه دوليًا كوسيط “محايد” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يثبت مرة بعد أخرى أن انحيازه واضح: لا مكان لأي تحرك تضامني حقيقي من داخل الأراضي المصرية، ولا مجال لأي عمل شعبي يُحرج الاحتلال. وكأن النظام يقول للمتضامنين: إذا أردتم دعم غزة، فلا تمروا من بوابة العرب.
اقرأ أيضًا : إعلاميو النظام المصري يشنون هجوماً على “قافلة الصمود”: تمهيد للمنع أم استجابة لإملاءات الاحتلال؟