في موقف بدا أقرب إلى محاولة حفظ ماء الوجه منه إلى تحرك فعلي مؤثر، أعلن عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لتشكيل أي كيانات موازية للحكومة السودانية الشرعية، مؤكدًا دعم بلاده لوحدة السودان وسلامة أراضيه.
لكن خلف هذا الخطاب الدبلوماسي المكرر، تتكشف حقائق ميدانية وسياسية تُظهر أن النظام المصري لا يملك اليوم أدوات التأثير في الأزمة السودانية، خصوصًا في ظل النفوذ الإماراتي الواسع الذي يقود مسار الحرب من خلف الستار ويمول قوات الدعم السريع بالمال والسلاح.

اجتماع بروتوكولي بلا أدوات ضغط
استقبل السيسي في قصر الاتحادية رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، في لقاء هو الأول من نوعه منذ أشهر، وسط مؤشرات على عجز القاهرة عن لعب أي دور مباشر في إنهاء الحرب.
وبحسب بيان الرئاسة المصرية، شدد السيسي على رفضه القاطع لأي كيانات “حكم موازية”، في إشارة إلى الحكومة التي أعلنتها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في تموز/ يوليو الماضي، وضمّت شخصيات من الحركات المسلحة المناوئة للجيش، أبرزهم عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال.
لكن هذا الرفض لا يتجاوز التصريحات، فالقاهرة لم تتخذ أي خطوة فعلية أو دبلوماسية ضاغطة ضد الدعم السريع أو داعميه، كما لم تقدم مبادرة سياسية بديلة لحل الأزمة. ويبدو أن اللقاء مع البرهان جاء في سياق تنسيق محدود يهدف فقط إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين البلدين، خصوصًا في ظل تراجع نفوذ مصر في القارة الأفريقية أمام صعود الدورين الإماراتي والإثيوبي.
الآلية الرباعية.. مظلة بلا فعالية
أشار البيان الرئاسي إلى أن اللقاء تناول أهمية “الآلية الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وبريطانيا، بوصفها مظلة للتوصل إلى تسوية سياسية. لكن هذه الآلية نفسها باتت موضع شك، بعدما تحولت أبوظبي – أحد أعضائها – إلى طرف رئيسي في الحرب عبر دعمها الصريح لقوات الدعم السريع.
ويرى مراقبون أن القاهرة تستخدم “الآلية الرباعية” كغطاء دبلوماسي لتبرير موقفها السلبي من الحرب، دون أن تجرؤ على مواجهة الإمارات التي تمولها اقتصاديًا وتؤمن لها ودائع مالية في البنك المركزي المصري. فبينما تتحدث بيانات الرئاسة عن “التطلع إلى وقف الحرب”، لم تُصدر مصر أي إدانة رسمية لانتهاكات الدعم السريع في دارفور أو حصارها للفاشر، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية.
ويرى خبراء أن غياب الإرادة السياسية لدى النظام المصري يعود إلى خشية السيسي من الاصطدام بمحمد بن زايد، الداعم المالي والسياسي الرئيسي له منذ 2013. وهو ما يجعل القاهرة تكتفي بخطاب “الوحدة والسيادة” دون أي خطوات عملية تحمي السودان من التفكك أو تمنع الإمارات من تغذية الصراع.
الملف المائي.. تقاطع الأزمات الإقليمية
إلى جانب الأزمة السودانية، ناقش اللقاء بين السيسي والبرهان مستجدات ملف مياه النيل، حيث جدد الطرفان رفضهما للإجراءات الأحادية على النيل الأزرق، في إشارة إلى استمرار إثيوبيا في سياساتها بشأن سد النهضة.
لكن الموقف المصري السوداني المشترك لا يحمل ثقلًا فعليًا، إذ فقد الطرفان زمام المبادرة أمام أديس أبابا، التي استغلت انشغال الخرطوم بالحرب وضعف القاهرة المالي والسياسي، لتفرض أمرًا واقعًا في إدارة السد.
ويشير محللون إلى أن تراجع الدور المصري في السودان انعكس مباشرة على ملف النيل، بعد أن كانت القاهرة تعتمد تاريخيًا على التحالف الاستراتيجي مع الخرطوم كورقة ضغط في مواجهة إثيوبيا. ومع تصاعد نفوذ الإمارات في السودان وإثيوبيا على حد سواء، بات السيسي في موقع المتفرج على إعادة رسم توازنات جديدة في القرن الأفريقي دون أن يملك القدرة على التأثير فيها.
حكومة الدعم السريع.. مشروع إماراتي لتقسيم السودان
الحكومة التي أعلنها محمد حمدان دقلو في يوليو الماضي، ليست سوى تجسيد لمشروع التقسيم الذي تدفع به أبوظبي منذ سنوات، وفق مراقبين. فالتشكيلة التي ضمت 15 عضوًا برئاسة حميدتي ونائبه عبد العزيز الحلو، تعكس سعي الإمارات إلى إنشاء “سودان موازٍ” يخدم مصالحها في الذهب والتجارة والسلاح، ويمنحها منفذًا استراتيجيًا في البحر الأحمر ودارفور الغنية بالموارد.
ورغم أن السيسي وصف هذه الحكومة بأنها “غير شرعية”، إلا أن مصر لم تتخذ أي موقف رسمي ضدها في المنظمات الإقليمية أو الدولية، ولم تطلب حتى إدراجها ضمن قوائم العقوبات، مكتفية بتصريحات إعلامية باهتة.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة فرض عقوبات على حميدتي وإخوته بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، بينما تتجاهل القاهرة هذه التطورات تمامًا، خشية خسارة دعم أبوظبي والرياض.
ضعف القيادة المصرية أمام نفوذ المال الخليجي
يؤكد محللون أن السيسي، رغم شعاراته حول “الأمن القومي العربي”، لا يستطيع اليوم مواجهة الإمارات التي تمسك بخيوط السياسة والاقتصاد المصري. فالقاهرة تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الخليجية والودائع الإماراتية التي أنقذت اقتصادها أكثر من مرة، وهو ما يجعل النظام المصري يلتزم الصمت أمام تورط أبوظبي في جرائم السودان واليمن وليبيا.
هذا العجز يعكس تآكل الدور الإقليمي لمصر، التي كانت في الماضي تقود الوساطات الأفريقية وتتحكم في ملفات الأمن القومي العربي. أما اليوم، فقد تحولت إلى تابع اقتصادي وسياسي، يكتفي رئيسها بإطلاق تصريحات مكررة عن “الوحدة والسيادة” بينما يتفكك السودان على مرأى منه.
وفي المحصلة، يبدو أن حديث السيسي عن “رفض الحكومات الموازية” لا يعدو كونه محاولة لتجميل موقفه أمام الرأي العام، بينما الحقيقة أنه لا يملك القدرة أو الإرادة لمواجهة من يمول تلك الحكومات ويدفع السودان نحو الانقسام. لقد أصبحت القاهرة، في ظل ضعفه السياسي وارتهانه المالي، مجرد صدى لقرارات تملى من عواصم الخليج، لا فاعلًا حقيقيًا في محيطها التاريخي.
اقرأ أيضًا : غموض يلفّ الانفجار المدوي في “الهايكستب”.. والجيش المصري يعلن تفاصيل أولية