أثار دويّ انفجار قوي، سُمع في مناطق واسعة شرق العاصمة المصرية القاهرة، حالة من الهلع بين المواطنين، في وقت سارعت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى تداول مقاطع وصور زعمت أنها توثق لحظة الانفجار في منطقة “الهايكستب”، القريبة من مواقع عسكرية حساسة. وبينما تضاربت الأنباء في الساعات الأولى، خرج المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية العميد أركان حرب غريب عبد الحافظ غريب، ببيان رسمي أوضح فيه أن ما جرى ناتج عن “حادث فني” داخل ورشة ذخيرة تابعة للجيش، أثناء تفكيك مخلفات قديمة من العبوات الناسفة.
الانفجار، الذي وقع في تمام الساعة الواحدة وخمسٍ وأربعين دقيقة ظهرًا، شعر به سكان مناطق الهايكستب والعبور والعاشر من رمضان بوضوح، فيما نقل شهود عيان أن زجاج النوافذ اهتز في بعض الأبنية القريبة، وسط مشهد من الارتباك والتساؤلات حول طبيعة الحادث.

رواية الجيش.. حادث فني تحت السيطرة
بحسب البيان العسكري، فإن الحادث وقع أثناء قيام “فرق فنية متخصصة” بأعمال تفكيك وتدمير ذخائر متقادمة داخل إحدى ورش الأسلحة التابعة للقوات المسلحة، قبل أن يحدث انفجار مفاجئ أدى إلى سلسلة من الانفجارات الثانوية. وأكد البيان أن “القوات المعنية سيطرت على الموقف خلال وقت وجيز، وتم اتخاذ الإجراءات الفنية والوقائية لتأمين الموقع ومنع امتداد آثار الانفجار”.
المتحدث العسكري دعا المواطنين إلى “عدم الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات غير الدقيقة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي”، مشددًا على أن “الوضع تحت السيطرة تمامًا”، وأن لجانًا فنية من القوات المسلحة بدأت تحقيقًا موسعًا لتحديد الأسباب الدقيقة للحادث.
وأشار إلى أن “النتائج الأولية تشير إلى أن الانفجار نتج عن تفاعل غير متوقع في إحدى العبوات أثناء التعامل معها”، مؤكدًا أن القوات المسلحة “تولي أقصى درجات الاهتمام بإجراءات الأمان والسلامة خلال التعامل مع الذخائر ومخلفاتها”.
سكان المنطقة بين الذعر والغموض
في المقابل، روى سكان شرق القاهرة مشاهد مختلفة. فبينما أكد بعضهم سماع صوت انفجار واحد مدوٍ تبعته هزات خفيفة، قال آخرون إنهم رصدوا “دخانًا خفيفًا يتصاعد من داخل منطقة الهايكستب العسكرية”، دون أن يُسمح لأحد بالاقتراب من المكان. وأشار بعضهم إلى أن سيارات الإسعاف والدفاع المدني هرعت نحو المنطقة بعد دقائق من الحادث.
مصادر في الدفاع المدني أوضحت أن فرق الإطفاء والإسعاف كانت في “حالة تأهب قصوى”، وأنه “تم الدفع بعدة سيارات لمحيط الحادث فور ورود البلاغ”، مؤكدة في الوقت ذاته “عدم تسجيل خسائر بشرية كبيرة”، ما يوحي بأن نطاق الانفجار كان محدودًا.
رغم ذلك، لا يزال الغموض يلفّ تفاصيل الحادث، إذ لم تُكشف بعد هوية الورشة التي وقع فيها الانفجار أو حجم الأضرار داخلها، كما لم تُنشر صور رسمية توضح طبيعة الموقع أو مدى تأثير الانفجار على المباني المجاورة.
سياق أوسع وتساؤلات مفتوحة
تاريخيًا، تُعد منطقة الهايكستب من أهم المواقع العسكرية في شرق القاهرة، إذ تضم منشآت تدريب ومستودعات ذخيرة ووحدات فنية للجيش المصري. وسبق أن شهدت المنطقة حوادث محدودة متعلقة بالتعامل مع مخلفات ذخائر، لكنها لم تترك أثرًا مدويًا كهذا الانفجار الذي أثار اهتمام الرأي العام.
ويرى مراقبون أن البيان العسكري السريع جاء بهدف احتواء الجدل، خصوصًا بعد الانتشار الواسع للمقاطع المصورة عبر الإنترنت، فيما يعتقد آخرون أن “الغموض في التفاصيل” قد يكون مقصودًا لحجب طبيعة المواد التي كانت تُفكك داخل الورشة، خاصة مع تزايد الحديث عن “مخلفات خطرة” يجري التخلص منها دوريًا في تلك المنطقة.
من جهة أخرى، أثار الحادث تساؤلات حول إجراءات الأمان داخل منشآت القوات المسلحة، خاصة أن مصر شهدت في السنوات الأخيرة عدة انفجارات محدودة مرتبطة بمخلفات ذخائر في مواقع عسكرية قديمة، سواء في الصحراء الشرقية أو الغربية. إلا أن هذا الحادث تحديدًا لفت الأنظار إلى قربه من المناطق السكنية، ما جعل المواطنين يطالبون السلطات بمزيد من الشفافية في الإعلان عن تفاصيل تلك الأنشطة الوقائية.
محاولات للطمأنة وسط تزايد القلق الشعبي
في ختام البيان، أكد المتحدث باسم الجيش أن “العمل يسير بشكل طبيعي داخل المنشآت الفنية للقوات المسلحة”، وأن ما حدث “لن يؤثر على سير العمليات أو الخطط التدريبية”. ومع ذلك، لم يخفِ كثير من المصريين قلقهم من تكرار مثل هذه الحوادث بالقرب من المناطق المدنية، خاصة في ظل توسع القاهرة العمراني شرقًا باتجاه الهايكستب والعبور.
ورغم نفي أي شبهة “عمل عدائي”، فإن بعض التحليلات المحلية لم تستبعد أن التحقيقات قد تُظهر لاحقًا وجود خلل فني أو إهمال بشري خلال عملية التفكيك. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى كفاءة منظومة السلامة في مواقع تخزين وتفكيك الذخائر القديمة، ومدى صلاحية تلك المواقع داخل نطاق العاصمة.
حتى اللحظة، يظل الغموض سيد الموقف، بانتظار نتائج التحقيقات العسكرية التي وعدت القيادة بنشر خلاصتها فور الانتهاء منها. لكن ما بات مؤكدًا هو أن الانفجار أعاد إلى الواجهة ملف الأمن الصناعي والعسكري في مصر، وضرورة التوازن بين متطلبات الحفاظ على الأمن الوطني وضمان سلامة المواطنين القاطنين على مقربة من تلك المنشآت الحساسة.
اقرأ أيضًا : جيل “زد” يطيح برئيس مدغشقر.. ثورة الشباب التي أربكت القصر والجيش