أثار حديث رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي عن ما وصفه بـ”تطوير منظومة السجون” موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية والسياسية، بعدما أشاد بما سماها مراكز “الإصلاح والتأهيل” الجديدة خلال حفل إفطار نظمته أكاديمية الشرطة، في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى وجود ما يقارب 100 ألف معتقل سياسي في البلاد يعيش كثير منهم ظروف احتجاز قاسية. وبينما حاول السيسي تقديم صورة دعائية عن نظام عقابي حديث يهدف إلى “إصلاح النزلاء”، يرى منتقدوه أن الخطاب الرسمي يتجاهل واقعاً مختلفاً داخل السجون المصرية، حيث تتراكم الاتهامات بالانتهاكات والإهمال الطبي والعزل الانفرادي والتضييق على المعتقلين.

خطاب رسمي يرسم صورة وردية للسجون

خلال كلمته في الحفل، تحدث السيسي عن إغلاق عشرات السجون القديمة واستبدالها بعدد أقل من المجمعات العقابية الحديثة التي أطلق عليها اسم “مراكز الإصلاح والتأهيل”. وأكد أن الدولة تسعى إلى توفير ظروف إنسانية للنزلاء، مشيراً إلى أنه يرفض حتى استخدام كلمة “سجين” مفضلاً مصطلح “نزيل”.

وبحسب الرواية الرسمية، فإن هذه المجمعات الجديدة بُنيت وفق معايير حديثة تهدف إلى إعادة دمج المحتجزين في المجتمع بدلاً من الاقتصار على العقاب التقليدي. كما شدد السيسي على أن الهدف هو تحويل السجون إلى مؤسسات لإعادة التأهيل وليس إلى أماكن للانتقام.

غير أن هذا الخطاب يثير تساؤلات واسعة لدى مراقبين يرون أن الدولة تحاول تسويق صورة مختلفة للواقع، خاصة مع استمرار الانتقادات الدولية والمحلية لملف حقوق الإنسان في مصر.

تقارير حقوقية توثق أوضاعاً قاسية داخل السجون

في مقابل الرواية الرسمية، تشير تقارير عديدة صادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية إلى وجود مشاكل خطيرة داخل السجون الجديدة، رغم تقديمها باعتبارها نموذجاً حديثاً.

فقد وثقت تقارير حقوقية حالات وفاة داخل السجون نتيجة الإهمال الطبي، إضافة إلى شكاوى متكررة من حرمان المعتقلين من حقوق أساسية مثل التريض والرعاية الصحية المناسبة والزيارات المنتظمة. كما تحدثت تقارير أخرى عن قيود صارمة على التواصل مع العائلات، حيث تتم بعض الزيارات عبر حواجز زجاجية تمنع حتى اللمس المباشر.

وفي بعض المجمعات العقابية الجديدة، أشار محتجزون وعائلاتهم إلى وجود نظام مراقبة إلكترونية صارم وعزل انفرادي لفترات طويلة، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية شكلاً من أشكال الضغط النفسي على المعتقلين.

كما سجلت منظمات حقوقية حالات إضراب عن الطعام ومحاولات انتحار داخل بعض السجون، في مؤشر على حجم التوتر داخل هذه المنشآت التي تقدمها السلطات كجزء من مشروع إصلاحي حديث.

مراكز احتجاز في مناطق معزولة

من بين أبرز الملاحظات التي أثارتها تقارير حقوقية، أن السجون الجديدة تقع في مناطق صحراوية بعيدة عن المدن الرئيسية. ويرى منتقدون أن هذا الموقع الجغرافي يجعل الوصول إليها صعباً بالنسبة لعائلات المعتقلين، ويزيد من معاناتهم في السفر لمسافات طويلة لإجراء الزيارات.

ويعتقد بعض الحقوقيين أن اختيار هذه المواقع لم يكن مصادفة، بل يعكس رغبة السلطة في جعل السجون بعيدة عن التجمعات السكانية، بما يقلل فرص الاحتجاجات أو الضغط الشعبي المرتبط بملف المعتقلين.

كما يرى مراقبون أن نقل السجون إلى مناطق نائية يندرج ضمن سياسة أمنية أوسع تهدف إلى تحصين المؤسسات الأمنية بعد أحداث اقتحام السجون التي شهدتها مصر خلال ثورة يناير 2011.

أبعاد اقتصادية وراء إغلاق السجون القديمة

إلى جانب الاعتبارات الأمنية، يعتقد محللون أن لقرار إغلاق السجون القديمة بعداً اقتصادياً أيضاً. فقد كانت العديد من تلك السجون تقع في مناطق حيوية داخل المدن الكبرى، خاصة في القاهرة.

وبعد إخلائها، جرى تحويل ملكية بعض الأراضي إلى جهات حكومية وصناديق سيادية، ما فتح الباب أمام استثمارها في مشاريع عقارية وتجارية وسياحية ذات قيمة مالية مرتفعة.

ويرى منتقدون أن هذه الخطوة سمحت للنظام بالاستفادة من الأصول العقارية القديمة للسجون، بينما جرى نقل المعتقلين إلى مجمعات أمنية ضخمة خارج المدن.

ملف المعتقلين السياسيين الغائب عن الخطاب الرسمي

ورغم حديث السيسي عن “إصلاح المنظومة العقابية”، فإن ملف المعتقلين السياسيين ظل غائباً عن خطابه. وتشير تقديرات حقوقية إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين على خلفيات سياسية منذ عام 2013.

ويشمل هؤلاء معارضين سياسيين وصحفيين ونشطاء وطلاباً، كثير منهم محتجزون لفترات طويلة في الحبس الاحتياطي أو ضمن قضايا تتعلق بالأمن القومي.

كما تشير تقارير حقوقية إلى استمرار ظواهر مثل “التدوير”، حيث يتم توجيه قضايا جديدة لبعض المعتقلين بعد انتهاء مدة حبسهم الاحتياطي، ما يطيل فترة احتجازهم لسنوات إضافية.

ويرى منتقدون أن تجاهل هذا الملف في الخطاب الرسمي يعكس فجوة واضحة بين الصورة التي تقدمها السلطة عن النظام العقابي وبين الواقع الذي تصفه تقارير المنظمات الحقوقية.

بين الدعاية الرسمية والواقع الحقوقي

في ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن مشروع “مراكز الإصلاح والتأهيل” يمثل جزءاً من محاولة الدولة تحسين صورتها في ملف حقوق الإنسان، خاصة أمام الضغوط الدولية.

لكن بالنسبة للمعارضين والحقوقيين، فإن تغيير أسماء السجون أو بناء منشآت حديثة لا يكفي لمعالجة الانتقادات الأساسية المتعلقة بحرية التعبير والاعتقال السياسي وظروف الاحتجاز.

ومع استمرار الجدل حول أوضاع السجون في مصر، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للعديد من المنظمات الحقوقية: هل تمثل هذه المجمعات العقابية بالفعل تحولاً حقيقياً في فلسفة العقاب، أم أنها مجرد إعادة صياغة لنظام احتجاز يواجه منذ سنوات اتهامات بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان؟

اقرأ أيضا : اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران في خضم الحرب مع أمريكا وإسرائيل