أُصيب عدد من الفلسطينيين بحالات اختناق، مساء الاثنين، خلال اقتحامات متزامنة نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مناطق عدة من الضفة الغربية، في تصعيد يعكس سياسة قمعية ممنهجة باتت سمة يومية لحياة الفلسطينيين. هذه الاقتحامات لم تكن أحداثًا معزولة، بل جاءت ضمن نمط متكرر يستهدف المدنيين عبر استخدام القوة المفرطة، بالتوازي مع خطوات عملية لفرض وقائع جديدة على الأرض.

مخيم شعفاط.. الغاز في الأزقة الضيقة

في مخيم شعفاط شمال القدس المحتلة، أطلقت قوات الاحتلال قنابل الصوت والغاز السام المسيل للدموع بشكل كثيف تجاه المنازل والمحلات التجارية، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين بحالات اختناق، بينهم أطفال وكبار سن. انتشار آليات الاحتلال داخل الأزقة الضيقة للمخيم حوّل المنطقة إلى ساحة رعب، في مشهد يجسّد استهتار الاحتلال المتعمد بحياة المدنيين داخل مناطق مكتظة بالسكان.

دير دبوان.. الرصاص لبث الخوف

وسط الضفة، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة دير دبوان شمال شرق رام الله، حيث تمركز الجنود في الأحياء السكنية وأطلقوا الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز، ما أثار حالة من الذعر بين الأهالي. ورغم عدم الإبلاغ عن إصابات، فإن الاقتحام عكس بوضوح سياسة الترهيب الجماعي التي يعتمدها الاحتلال لكسر الإحساس بالأمان وتحويل حياة المدنيين إلى حالة دائمة من القلق.

شمال نابلس.. مواجهات وحواجز

في شمال الضفة، اقتحمت قوات الاحتلال قرية أودلا جنوب نابلس، حيث اندلعت مواجهات مع الشبان الذين تصدوا للاقتحام برشق الحجارة، في تعبير عن رفض شعبي مستمر للوجود العسكري الإسرائيلي. كما اقتحمت القوات بلدة قصرة جنوب نابلس، ونصبت حاجزًا عسكريًا على الطريق الواصل بينها وبين قرية جوريش، وقامت بتفتيش المركبات، ما أدى إلى تعطيل حركة المواطنين وفرض قيود جديدة على تنقلهم.

بيت فوريك.. الغاز بدل القانون

شرق نابلس، شهدت بلدة بيت فوريك مواجهات مماثلة تخللها إطلاق كثيف لقنابل الصوت والغاز السام المسيل للدموع، دون تسجيل إصابات. إلا أن كثافة استخدام الغاز في مناطق سكنية تؤكد أن الاحتلال يعتمد القوة كخيار أول وأخير، متجاوزًا كل المعايير القانونية والإنسانية، ومتعاملًا مع البلدات الفلسطينية بوصفها ساحات مفتوحة للقمع.

مصادرة الأرض.. الوجه الآخر للإجرام

بالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن جيش الاحتلال قرر الاستيلاء على 47 دونمًا من أراضي بلدات الفندقومية وسيلة الظهر في محافظة جنين، وبرقة في محافظة نابلس. هذه المصادرة تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من أوامر “وضع اليد” التي تستهدف بشكل خاص مناطق شمال الضفة الغربية.

أوامر عسكرية بغطاء استيطاني

وأوضحت الهيئة أن سلطات الاحتلال أصدرت خلال الفترة الأخيرة 23 أمرًا عسكريًا بذريعة إنشاء بنية تحتية أمنية وعسكرية، لكنها في الواقع تمهّد لعودة الاستيطان الاستعماري بكثافة إلى مناطق طوباس وجنين. هذه الأوامر تمثل حلقة جديدة في مشروع تقطيع الجغرافيا الفلسطينية، وتحويل القرى والمدن إلى جزر معزولة يسهل التحكم بها أمنيًا واستيطانيًا.

قمع الإنسان وتقطيع المكان

ما يجري في الضفة الغربية يكشف عن سياسة إسرائيلية متكاملة تجمع بين القمع الميداني والمشروع الاستيطاني. فالغاز السام والرصاص والحواجز المفاجئة تشكل أدوات يومية لإرهاق المجتمع الفلسطيني، بينما تمثل مصادرة الأراضي والبنية التحتية العسكرية الوجه الاستراتيجي الأعمق لفرض وقائع دائمة على الأرض.

تصعيد بلا رادع دولي

في المحصلة، تؤكد هذه التطورات أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس إجرامًا مركّبًا يستهدف الإنسان والمكان معًا. حالات الاختناق داخل المخيمات، والمواجهات في القرى، وأوامر مصادرة الأرض، كلها حلقات في سياسة واحدة تقوم على القوة وفرض الأمر الواقع، في ظل صمت دولي يشجّع الاحتلال على المضي قدمًا في انتهاكاته دون محاسبة.

اقرأ أيضا : السيسي يقتل أبو الفتوح ببطء: اتهامات من زنزانة انفرادية تفضح عبث العدالة