في خطوة تعكس مدى استهتار النظام المصري بحقوق الإنسان، أقدم عبد الفتاح السيسي، على تكريم أحد المجرمين المتورطين في إعدامات ميدانية خلال العمليات العسكرية في سيناء، وذلك خلال الندوة التثقيفية الـ41 بمناسبة الاحتفال بيوم الشهيد.
التكريم الذي شمل “إبراهيم حماد إبراهيم”، وهو أحد أفراد المليشيات المسلحة التابعة للجيش، جاء رغم توثيق جرائمه من قبل مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان ومنظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش، حيث ظهر في مقاطع مصوّرة وهو ينفذ عمليات قتل ميدانية بحق مدنيين عزّل عام 2017.
هذا التكريم الذي أعلنه السيسي بنفسه ليس مجرد إجراء رمزي، بل يعكس سياسة ممنهجة قائمة على الإفلات من العقاب، ليس فقط لعناصر المليشيات، بل للنظام بأكمله.
فالسيسي، الذي قاد انقلابًا عسكريًا دمويًا عام 2013 وتورط في مجازر جماعية مثل رابعة والنهضة، بات اليوم يرسّخ نهجًا جديدًا يقوم على شرعنة جرائم الحرب، ليس فقط بتجاهلها، بل بمكافأة مرتكبيها وإضفاء طابع “البطولة” عليهم، وهو ما يعزز رسائل الرعب والقمع داخل المجتمع.

بيان صحفي: مؤسسة سيناء تستنكر تكريم السيسي لمجرم حرب متورط في إعدامات ميدانية بسيناء
تعرب مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان عن استنكارها الشديد لتكريم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الثلاثاء 11 مارس 2025، خلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ41 بمناسبة الاحتفال بيوم الشهيد، لأحد… pic.twitter.com/Z6EFDEvOQF
— Sinai for Human Rights (@Sinaifhr) March 11, 2025
السيسي يكرّس ثقافة الإجرام ويمنحها غطاءً رسميًا
تكريم “إبراهيم حماد” ليس سوى امتداد لسياسة أكبر يقودها السيسي، حيث باتت مصر في عهده بيئة خصبة لمنتهكي حقوق الإنسان، الذين يجدون في الدولة دعمًا وتشجيعًا بدلاً من المساءلة والمحاسبة.
فالمليشيات المحلية في سيناء، التي يعمل بعضها كأذرع غير رسمية للقوات المسلحة، تورطت في انتهاكات موثقة شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختفاء القسري، وتعذيب المعتقلين، لكن بدلاً من تقديمهم للعدالة، يتم تكريمهم على أعلى المستويات، في رسالة واضحة بأن الجرائم تُكافأ وليست محل مساءلة.
كما أن هذا التكريم يعكس ازدواجية خطيرة في التعامل مع القانون، حيث تتم تصفية المعارضين واعتقال الصحفيين وتلفيق التهم للنشطاء، بينما يتم منح الأوسمة والتقدير الرسمي لمن ارتكبوا جرائم موثقة.
وإذا كان إبراهيم حماد قد نال وسام “البطولة” بعد مقتله، فإن العشرات من القادة العسكريين والأمنيين المتورطين في الإعدامات خارج نطاق القضاء والمذابح الجماعية ما زالوا يحتلون مناصبهم، ويتم ترقيتهم، بل ويُمنحون السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة، مما يجعل النظام بأكمله متورطًا في مشروع قمعي قائم على الجريمة المنظمة تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”.
وما يزيد الأمر خطورة، أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها منح الغطاء الرسمي للمجرمين، فمن العرجاني، رجل الأعمال الذي استفاد من عسكرة الاقتصاد في سيناء، إلى صبري نخنوخ، الذي خرج من السجن بعفو رئاسي ليصبح جزءًا من شبكة النفوذ الأمني، يبدو أن السيسي يدير مصر كإقطاعية يحكمها مجرمو الحرب، حيث يتم تصعيدهم إلى مواقع السلطة وضمان ولائهم من خلال توفير الحماية القانونية لهم.
السيسي ومشروع “الإفلات من العقاب”.. جرائم بلا حساب
إن ما يجري اليوم في مصر تحت حكم السيسي هو إعادة تعريف لمفهوم الدولة، حيث لم تعد العدالة والقانون هما المرجعية، بل أصبح “القمع المنظم” هو القاعدة الحاكمة.
فمنذ أن قاد السيسي انقلاب 2013، وهو يمضي في بناء نظام أمني قائم على العنف المطلق، حيث يتم التعامل مع الدولة كغنيمة شخصية تُوزع على الولاءات، سواء كانوا من قادة الجيش أو المليشيات المحلية أو رجال الأعمال المتحالفين معه.
تكريم إبراهيم حماد ليس مجرد حدث عابر، بل هو جزء من مشروع متكامل يقوم على ترسيخ الإفلات من العقاب، حيث يتم تجريم الضحايا وتكريم الجلادين، وتحويل القتلة إلى أبطال في الرواية الرسمية للنظام.
وإذا كان السيسي يمنح الأوسمة اليوم لمنفذي الإعدامات الميدانية، فليس غريبًا أن يستمر في استهداف أي صوت معارض، سواء بالاعتقال أو التصفية أو حملات التشهير الإعلامي.
وبالنظر إلى سجل النظام، فإن السؤال الحقيقي لم يعد حول “متى سيتوقف هذا النهج”، بل حول “إلى أي مدى سيتمادى؟”.
فالسيسي، الذي بدأ حكمه بمجازر علنية، يستمر اليوم في بناء دولة قائمة على تبييض الإجرام، مما يضع مصر على طريق مظلم، حيث يصبح كل من يعترض على هذا المسار إما في السجن أو في المنفى أو في القبر.
في النهاية، عندما يصبح تكريم مجرمي الحرب سياسة دولة، فإن ذلك يعني أن رأس النظام نفسه لم يعد مجرد مسؤول سياسي، بل هو جزء من المنظومة الإجرامية التي تحكم مصر بقبضة من حديد، حيث لا مجال للعدالة، ولا مكان لحقوق الإنسان، بل فقط لمن يفرض واقع القوة على الأرض، حتى وإن كان الثمن دماء الأبرياء.
اقرأ أيضًا : اتفاقية نقل السجناء بين القاهرة وأبوظبي.. صفقة أمنية بين نظامي القمع؟