من قلب مدينة حلب، التي كانت لعقد من الزمان رمزا للدمار والمأساة، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تدشين مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، تحت عنوان “معركة البناء والتنمية”. 

جاء هذا التصريح خلال مشاركته في فعالية جماهيرية أقيمت تحت شعار “حلب مفتاح النصر”، حيث اعتبر أن استعادة المدينة من براثن النظام السابق كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة تحرير سوريا. 

وبينما تنفض البلاد غبار الحرب، يواجه السوريون الآن معركة جديدة لا تقل صعوبة عن الحرب ذاتها: معركة إعادة الإعمار، وتحقيق التنمية، واستعادة مكانة البلاد التي مزقتها الحرب الداخلية الطويلة.

من معركة التحرير إلى معركة النهوض

أعلن الرئيس أحمد الشرع خلال كلمته أن الحرب ضد “الطغاة”، في إشارة إلى نظام بشار الأسد، قد انتهت، وأن السوريين أمام مسؤولية تاريخية جديدة تتمثل في إعادة بناء ما دمرته الحرب. 

وجاء هذا التصريح في فعالية حاشدة نظمت في ساحة سعد الله الجابري وسط مدينة حلب، بحضور قادة عسكريين ومدنيين ورموز من المعارضة السياسية والمدنية التي تولت زمام الحكم بعد الإطاحة بالنظام السابق.

وأكد الشرع أن مدينة حلب لم تكن فقط هدفًا عسكريًا، بل كانت رمزا لكرامة الشعب السوري وصموده، مشيرًا إلى أن تحريرها أواخر عام 2024 شكل علامة فارقة، أسقطت أوهام بقاء النظام وأعادت الثقة إلى الحراك الثوري. 

كما أشاد الرئيس السوري الجديد بدور قوات “ردع العدوان” التي كانت رأس الحربة في العمليات الميدانية، وخاصة في ريف حلب الجنوبي وريف إدلب، مؤكدًا أن استعادة دمشق لاحقًا في ديسمبر/كانون الأول لم تكن لتتم لولا حلب.

الدعم الدولي ورفع العقوبات.. مكافأة على الصمود

في كلمته، لفت الشرع إلى أن الدعم الدولي الذي بدأت تتلقاه سوريا، ورفع العقوبات المفروضة عليها، لم يكن “هبة مجانية” بل نتيجة تضحيات قدمها الشعب السوري على مدى أكثر من 12 عامًا. 

وأوضح أن رفع العقوبات الأميركية، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسبوعين، وتلاه قرار أوروبي مماثل، يمثل تحولا في النظرة العالمية تجاه الثورة السورية، من حالة تجنب ومحاصرة إلى شراكة ودعم.

وأشار الشرع إلى أن سوريا “تستحق الآن أكثر من أي وقت مضى دعما سياسيا واقتصاديا من العالم الحر”، مؤكدًا أن حكومته الجديدة ستعمل على تسخير هذا الدعم في مجالات إعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد، وعودة اللاجئين، واستعادة البنية التحتية. 

كما وجه رسالة إلى الدول العربية قائلا إن “سوريا تعود إلى حضنها العربي، لا من باب التسوية السياسية، بل من بوابة الانتصار الشعبي”.

التحديات المقبلة.. هل تنجح معركة البناء؟

رغم النبرة التفاؤلية في خطاب الشرع، إلا أن التحديات التي تواجه المرحلة الجديدة تبقى جسيمة. فالحرب التي امتدت لأكثر من عقد خلفت اقتصادًا منهارًا، وبنى تحتية مدمرة، وملايين اللاجئين والنازحين، فضلًا عن حالة انقسام اجتماعي وسياسي تتطلب مصالحة وطنية شاملة.

ويقول مراقبون إن نجاح حكومة الشرع في معركة البناء والتنمية يتطلب أولًا تثبيت الاستقرار الأمني، واستكمال جهود توحيد السلاح تحت مظلة الدولة، وهو ما بدأ فعليًا في عدة مناطق، خاصة في ريف دمشق ودرعا. كما أن ملف الفساد والإدارة اللامركزية سيكونان من أبرز العقبات، في ظل رغبة القوى الثورية بإقامة نموذج حكم ديمقراطي تعددي، يحول دون إعادة إنتاج الاستبداد.

إضافة إلى ذلك، فإن المجتمع الدولي سيتابع بدقة مدى التزام الحكومة الجديدة بمبادئ حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والمحاسبة، خاصة بعد تقارير سابقة عن انتهاكات خلال المرحلة الانتقالية. من جهة أخرى، فإن ملف عودة اللاجئين وتقديم ضمانات لهم يعتبر من أكبر التحديات التي تتطلب رؤية واضحة وخططًا قابلة للتطبيق.

خاتمة مفتوحة:

من حلب التي كانت “مفتاح النصر” كما سماها الشرع، تبدأ الآن معركة أخرى في مسيرة سوريا الحديثة: معركة إعادة الدولة من ركام الحرب، وبناء مستقبل يستحقه شعب قدم أغلى ما يملك.

فبينما طويت صفحة الاستبداد الدموي، تُفتح صفحة الأمل والعمل، على أمل أن لا تتحول هذه المرحلة إلى مجرد شعارات، بل إلى واقع ملموس يعيشه المواطن السوري في كل بيت وشارع ومدرسة. 

ويبقى السؤال: هل ينجح السوريون في تحويل هذا النصر السياسي والعسكري إلى مشروع وطني جامع يعيد لسوريا مكانتها وهويتها؟ أم أن التحديات الداخلية والخارجية ستعيد خلط الأوراق من جديد؟

اقرأ أيضًا : الأمن السوري يعتقل صانع البراميل المتفجرة ومرتكب جرائم الزبداني ومضايا