في مشهد يعكس عمق التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية، شهدت عدة مدن مغربية واليمنية، الجمعة، تظاهرات حاشدة نصرة لغزة وتنديداً بالعدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من عشرة أشهر، وسط صمت رسمي عربي يثير تساؤلات عن حجم التواطؤ السياسي في ظل مجازر الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج.

95 وقفة بالمغرب.. وصوت الشارع يسبق الحكومات

في المغرب، لبّت الآلاف الدعوة التي أطلقتها الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، حيث جرى تنظيم 95 مظاهرة في 58 مدينة، توزعت بين الدار البيضاء والجديدة والرباط وأكادير وبركان ووجدة وغيرها، ضمن فعالية أطلق عليها “جمعة طوفان الأقصى 88” تحت شعار: “نصرة غزة العزة.. واجب العلماء أولاً”.

المتظاهرون رفعوا الأعلام الفلسطينية وهتفوا بشعارات تُدين الحصار الخانق على القطاع، وعمليات القتل والتشريد والتجويع الممنهج، معتبرين ما يحدث في غزة أكبر عملية قتل يعرفها التاريخ المعاصر. كما ركزت الهتافات على تحميل العلماء ورجال الدين مسؤولية تاريخية في الانتصار للحق الفلسطيني، منتقدين ما وصفوه بـ”صمت العلماء المخجل” إزاء جرائم الاحتلال، خصوصاً تلك التي تقع أثناء توزيع المساعدات فيما بات يُعرف بـ”مصائد الموت”.

وتضمن بيان الهيئة المنظمة إدانة واضحة لـ”سياسة التجويع التي تُمارَس كأداة حرب ضد المدنيين”، مشيرة إلى أن ما يتعرض له القطاع هو انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية، داعية كل القوى الحية في المغرب والعالم إلى تصعيد الضغط لوقف العدوان.

صنعاء والمدن اليمنية.. صمود ورسائل تحذير للأعداء

بالتزامن مع الحراك المغربي، شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، وعدة مدن واقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، تظاهرات حاشدة تحت شعار: “ثابتون مع غزة.. وجهوزيتنا عالية لمواجهة كل مؤامرات الأعداء”.

المسيرات التي شارك فيها آلاف اليمنيين رفعت الأعلام اليمنية والفلسطينية، ورددت هتافات تؤكد التمسك بخيار دعم المقاومة الفلسطينية، من بينها: “ما دام الله لنا مولى.. عن غزة لا لن نتخلى”. وأكد بيان صادر عن المنظمين “الوقوف المتكامل مع إخواننا في غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي”، محذراً من أن استمرار الصمت الدولي شجّع الاحتلال على التمادي في جرائمه.

مدن مثل الحديدة وصعدة وتعز والضالع شهدت مظاهرات مشابهة، حيث حمل المشاركون لافتات تُدين العدوان وتنتقد بشدة الموقف الدولي، الذي وصفوه بـ”المتواطئ”. واعتبر قادة المسيرات أن الشعوب العربية، رغم الظروف الداخلية الصعبة، قادرة على إيصال صوتها وكسر الحصار الإعلامي والسياسي المفروض على غزة.

غزة بين التجويع والإبادة.. وغياب الردع الدولي

تأتي هذه التحركات الشعبية في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، إذ تتداخل المجاعة الممنهجة مع عمليات القتل الجماعي والتهجير القسري، وسط تدمير ممنهج للبنية التحتية والمساكن والمستشفيات.

منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبدعم أمريكي مباشر، تشن إسرائيل حرب إبادة شاملة أسفرت – بحسب الإحصاءات الفلسطينية – عن استشهاد 61,258 فلسطينياً وإصابة 152,045 آخرين، فضلاً عن وجود أكثر من 9,000 مفقود تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها. كما يعيش مئات الآلاف من النازحين في ظروف إنسانية كارثية، مع تفشي الأمراض ونقص حاد في الغذاء والدواء.

محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت أوامر ملزمة بوقف الإبادة وتحسين الوضع الإنساني، لكن الاحتلال تجاهل هذه القرارات، فيما اكتفى المجتمع الدولي ببيانات قلق لا تغيّر من الواقع شيئاً. وفي المقابل، تتوسع المظاهرات الشعبية في عدة دول عربية وإسلامية وعواصم غربية، ما يعكس فجوة هائلة بين الموقف الرسمي والشعبي.

تواطؤ الأنظمة.. ووعي الشعوب

رغم الزخم الشعبي في المغرب واليمن، فإن الغياب شبه التام للمواقف الرسمية الحازمة من قبل الحكومات العربية والإسلامية، يعزز الشعور العام بأن القضية الفلسطينية باتت أسيرة الحسابات السياسية والمصالح الضيقة. ففي حين تتحرك الشعوب بوعي واندفاع لنصرة غزة، تكتفي أغلب الأنظمة بخطابات دبلوماسية فضفاضة أو صفقات اقتصادية وأمنية تُبقيها رهينة للغرب.

هذه الفجوة بين الشارع والحكام ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر وضوحاً في ظل الدماء التي تسيل يومياً في غزة. فالمواطن العربي بات يدرك أن الضغط الشعبي – وإن كان محدود التأثير في الوقت الراهن – هو أحد الأسلحة القليلة المتبقية لمواجهة آلة القتل والحصار، وللتأثير في الرأي العام العالمي الذي بدأ يتفاعل تدريجياً مع حجم الفظائع الإسرائيلية.

رسالة الحراك الشعبي

التظاهرات في المغرب واليمن تحمل رسالتين واضحتين: الأولى أن غزة ليست وحدها، وأن أصوات الملايين لا تزال تردد اسمها في الشوارع رغم المسافات والحواجز. والثانية أن الشعوب لن تصمت، حتى وإن تواطأت الحكومات أو تخلت عن واجباتها الأخلاقية والتاريخية.

إن مشهد الأعلام الفلسطينية وهي ترفرف في ساحات الدار البيضاء وصنعاء، والهتافات التي تتوحد على كلمة الحق، يؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال حية في ضمير الأمة. وربما لا يكون هذا الحراك الشعبي قادراً وحده على وقف العدوان، لكنه بالتأكيد يُبقي جذوة المقاومة مشتعلة ويذكّر العالم بأن هناك شعوباً ترفض التطبيع مع القتل، وتصر على أن الحرية والعدالة ليستا شعارات، بل حقاً لا يسقط بالتقادم.

اقرأ أيضًا : تصعيد خطير في السودان.. الجيش يدمر طائرة إماراتية ومقتل 40 مرتزقاً كولومبياً يكشف دور أبوظبي الخبيث